ads980-90 after header
الإشهار 1

من جبل العَلَم إلى العالم

التصوف المغربي... رسالة نورٍ وأخوةٍ إنسانية عبر العصور

الإشهار 2

العرائش أنفو
من جبل العَلَم إلى العالم

التصوف المغربي… رسالة نورٍ وأخوةٍ إنسانية عبر العصور

بقلم: محمد اعبيدو

حين يشتد ظلام العالم، وتتعالى أصوات الكراهية والتطرف والصدام، تبحث الإنسانية من جديد عن منابع النور، وعن تلك القيم الخالدة القادرة على إعادة التوازن إلى الروح البشرية، وترميم الجسور التي تهدمت بين الإنسان وأخيه الإنسان.

وفي خضم التحولات العميقة التي يشهدها عالمنا المعاصر، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استحضار التجارب الروحية الكبرى التي أسهمت عبر التاريخ في تهذيب النفوس، ونشر قيم الرحمة والمحبة والسلام، وفي مقدمة هذه التجارب العظيمة يبرز التصوف المغربي باعتباره أحد أهم الروافد الحضارية والروحية التي أغنت التراث الإنساني، وأسهمت في بناء جسور التواصل بين الشعوب والحضارات والثقافات.

فالتصوف المغربي لم يكن يوماً انكفاءً على الذات، ولا هروباً من الواقع، ولا اعتزالاً للحياة، بل كان مدرسة في صناعة الإنسان، وبناء الضمير، وإحياء القيم، وتزكية النفوس، وخدمة المجتمع، وإشاعة المحبة بين الخلق.

لقد كان مشروعاً حضارياً متكاملاً، جمع بين العلم والعمل، وبين الشريعة والحقيقة، وبين الإيمان والعمران، وبين حب الله وخدمة عباده.ومن قلب هذا الإرث الروحي الخالد، ومن أعالي جبل العَلَم المبارك بشمال المملكة المغربية، انطلقت واحدة من أعظم الرسائل الروحية في تاريخ الإسلام، رسالة ما تزال أصداؤها تتردد في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم الناس هذا.

جبل العَلَم… حيث بدأت الحكاية

ليس جبل العَلَم مجرد معلمة جغرافية تحتضن ضريح ولي من أولياء الله الصالحين، بل هو رمز روحي عالمي، ومقام من مقامات الإشعاع الحضاري للمغرب.

هناك عاش القطب الرباني والعارف بالله، سيدي ومولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، ذلك الإمام الذي لم يترك وراءه قصوراً ولا ثروات ولا جيوشاً، لكنه ترك ما هو أعظم وأبقى: ترك مدرسة في التوحيد والمحبة والمعرفة بالله.

لقد اختصر مولانا عبد السلام بن مشيش طريق السالكين إلى الله في كلمات قليلة، لكنها حملت من المعاني ما تعجز عن حمله المجلدات.

ومن بين النفحات التي أشرقت من جبل العَلَم، خرج تلميذه النجيب، الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، ليحمل هذه الرسالة إلى العالم الإسلامي كله.

أبو الحسن الشاذلي… عندما خرج النور من المغرب إلى العالم

في تاريخ الأمم شخصيات استثنائية لا تنتمي إلى وطن واحد، بل تصبح ملكاً للإنسانية جمعاء.وكان الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه واحداً من هؤلاء العظماء.تلقى تربيته الروحية على يد شيخه مولانا عبد السلام بن مشيش، ثم حمل وصيته الخالدة، وارتحل من المغرب إلى تونس، ومنها إلى مصر، ليؤسس واحدة من أعظم المدارس الروحية في تاريخ الإسلام.لم تكن الشاذلية مجرد طريقة صوفية بين الطرق، بل كانت رؤية متكاملة للإنسان والحياة.علمت الإنسان أن يكون ذاكراً لله وهو يعمل، وعابداً لله وهو يبني، ومحباً لله وهو يخدم الناس.ولهذا استطاعت الشاذلية أن تتجاوز الحدود والأعراق واللغات، وأن تخاطب الإنسان في كل مكان وزمان.

الطريقة الشاذلية… من الطريقة إلى الحضارة

ما من طريقة صوفية في التاريخ الإسلامي تركت أثراً عالمياً واسعاً كما تركته الشاذلية.فمن مصر إلى بلاد الشام، ومن الحجاز إلى العراق، ومن المغرب العربي إلى إفريقيا جنوب الصحراء، ومن تركيا إلى الهند وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وسريلانكا، انتشرت الشاذلية حاملة معها رسالة الوسطية والمحبة والتسامح.

ومن رحمها خرجت مدارس وروابط روحية كبرى كان لها أثر بالغ في تشكيل الوجدان الديني والثقافي لشعوب بأكملها.

ففي المغرب تفرعت عنها:الجزولية.الناصرية.الصديقية الكتانيةالشرقاوية.الحنصالية الخالديةالشقوريةالعروسيةالوازنية.الدرقاوية.الحراقية.الحبيبية.العيساوية.الحمدوشية.الغزوانية.التباعية.
الكركرية.وغيرها من المدارس التي شكلت جزءاً من الهوية الروحية للمغرب.وفي الجزائر ظهرت البلقادية والعلاوية والهبرية والبوزيدية.وفي تونس ازدهرت العروسية والمدنية.وفى ليبيا ازدهرت السنوسية
وفي مصر انتشرت الوفائية والحامدية والفيضية والعزمية.وفي السودان والإفريقيات الكبرى أسهمت الشاذلية في ظهور مدارس روحية ذات تأثير واسع.أما في آسيا، فقد وجدت الشاذلية لها موطئ قدم في الهند وسريلانكا وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتركيا، لتصبح بحق إحدى أكثر المدارس الصوفية العالمية انتشاراً وتأثيراً.

التصوف المغربي… القوة الناعمة للمملكة عبر التاريخ

لقد سبق التصوف المغربي كثيراً من النظريات الحديثة التي تتحدث اليوم عن الحوار بين الحضارات والأديان والثقافات.فبينما كانت الحروب والصراعات تمزق العالم، كان شيوخ المغرب وأولياؤه يعبرون الصحارى والبحار حاملين رسالة السلام والتسامح والمحبة.

ولم يحملوا معهم السلاح ولا الإكراه، بل حملوا القرآن الكريم والأخلاق الحسنة والكلمة الطيبة.فدخل الناس في دين الله أفواجاً حباً واقتناعاً.

ومن هنا يمكن القول إن التصوف المغربي شكل عبر التاريخ واحدة من أعظم أدوات القوة الناعمة للمملكة المغربية، وأسهم في بناء روابط روحية وثقافية وإنسانية ما تزال قائمة إلى اليوم بين المغرب ومختلف شعوب إفريقيا والعالم الإسلامي.

إمارة المؤمنين… الامتداد المعاصر للرسالة الروحية المغربية

وإذا كان رجال التصوف المغربي قد حملوا عبر القرون رسالة الاعتدال والتسامح والمحبة، فإن المملكة المغربية تواصل اليوم هذه الرسيرة الحضارية تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين صاحب الجلالة محمد السادس.

لقد شكلت مؤسسة إمارة المؤمنين عبر التاريخ، ولا تزال، صمام أمان للوحدة الدينية والروحية للمملكة، وحصناً منيعاً ضد الغلو والتطرف والانغلاق.

كما نجح المغرب في ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس في تقديم نموذج عالمي فريد للإسلام الوسطي المعتدل، القائم على الثوابت الدينية للمملكة: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني الجنيدي.

وأصبحت المملكة اليوم مرجعاً دولياً في مجال الحوار بين الأديان والثقافات، وتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، ونشر ثقافة السلم والتعايش والعيش المشترك.

وليس من قبيل الصدفة أن ينظر العالم إلى المغرب باعتباره أرضاً للتسامح والتعدد والانفتاح، لأن هذه القيم ليست طارئة على هويته، بل هي امتداد طبيعي لتراث روحي عريق أسهم في بنائه الأولياء والعلماء والصلحاء عبر قرون طويلة.

من التصوف إلى الأخوة الإنسانية

إن أعظم ما يحتاجه عالم اليوم ليس مزيداً من القوة، بل مزيداً من الحكمة.ليس مزيداً من الصراعات، بل مزيداً من الرحمة.ليس مزيداً من الجدران، بل مزيداً من الجسور.

وهنا تتجلى راهنية التصوف المغربي، باعتباره مدرسة أخلاقية وإنسانية قادرة على الإسهام في معالجة أزمات العصر، من خلال إعادة الاعتبار لقيم المحبة والتعارف والتعاون واحترام الكرامة الإنسانية.

إن الرسالة التي انطلقت من جبل العَلَم قبل قرون لم تكن موجهة إلى شعب دون شعب، ولا إلى أمة دون أمة، بل كانت رسالة موجهة إلى الإنسان أينما كان.

رسالة تقول إن الإنسان لا يسمو إلا بالمحبة، ولا يكتمل إلا بالأخلاق، ولا يبلغ السلام الحقيقي إلا إذا صالح قلبه وربه وأخاه الإنسان.

خاتمة

من جبل العَلَم، حيث أشرقت أنوار مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، إلى الإسكندرية حيث أضاء الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه آفاق العالم الإسلامي، ثم إلى إفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكيتين، ظل النور المغربي ممتداً عبر القرون، ينير القلوب والعقول ويزرع بذور السلام في النفوس.

وإذا كان التصوف المغربي قد أسهم بالأمس في نشر الإسلام وقيم الرحمة والتسامح، فإنه مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مواصلة أداء رسالته الإنسانية والحضارية في خدمة الأخوة الإنسانية والسلام العالمي.

فمن جبل العَلَم إلى العالم، ما تزال الرسالة مستمرة…رسالة محبة.ورسالة سلام. ورسالة أخوة إنسانية.ورسالة مغربية بامتياز، جعلت من الروح جسراً بين الأرض والسماء، ومن الإنسان أخاً للإنسان، ومن المغرب منارةً للنور والاعتدال والتعايش بين الأمم والشعوب والحضارات

محمد اعبيدو
باحث فى التصوف
رئيس جمعية مولاى عبد السلام بن مشيش

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5