عناية أهل الهبط بالقرآن الكريم

عناية اهل الهبط بالقرآن الكريم
بقلم المؤرح عبد الحميد بريري
تعتبر بلاد الهبط من اولى المناطق المغربية اهتماما بالقرآن الكريم حفظا ورسما . وذلك ما يِؤكده الماضي والحاضر ، إذ تحتل المنطقة المراتب الأولى من حيث الحفاظ والطلبة وعدد المساجد لذلك وتضامن السكان فيما بينهم لتوفير الأكل ، لكل وافد على بلادهم وقراهم لحفظ القرآن والمتون وتعلم العلوم الشرعية ، أو ما يسمى لديهم ” المعروف” . والعجيب في الأمر أن الهبط كان من المناطق المغربية الأكثر عرضة للتنصير من طرف الكنيسة الكاثوليكية في الزمن الذي كانت حروب الإسبان “الإستردادية” في الأندلس على أشدها وفي توهجها ، تحقق نجاحات تلوى النجاحات بسبب التطهير العرقي لكل من يظهر عليه مظهر من مظاهر الإسلام . كان البرتغال يتكلف بالمهمة في المغرب ، بعد قامت الكنيسة بتوزيع الأدوار بين الدولتين الإيبريتين ، والقيام بحملة شرسة لها طابع ديني لتحقيق رغبة الكنيسة بإرجاع “أرض الأجداد المسيحيين” كما كانوا يدعون ، وبجعل العرائش ،إحدى حواضر الهبط ، قاعدة للصليب لنشر العقيدة المسيحية في مختلف مناطق المغرب ، ولأن لا قضاء على الإسلام في الأندلس دون القضاء عليه في بلاد الذين أدخلوه إليها . لكن الله سبحانه وتعالى أبى الا ان يبقى دين الحق وأن يحفظ قول الحق في المغرب كله وفي هذه المنطقة خاصة التي كانت ثغرا في مواجهة المسيحية . وذلك وجه من أوجه معجزات حفظ القرآن الكريم وهذا الدين في هذا البلد .
وهنا سأحاول إبراز مظهرين من هذه العناية سجلها التاريخ المغربي في هذه الربوع الحبيبة من وطننا العزيز . الأول : قصة لرجل تواترتها الرواية الشفاهية ، يسمى الطاهر التسولي الذي كان يتباهى بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وبرسمه وضبطه ووقفه ويدعي أن لا أحد يضاهيه في ذلك أو “يركزه” أي يعجزه ، وأنه “قشقاش” أي بارع في استظهاره من أول حزبه إلى آخره . فقام في يوم الخميس من ايام سوق يقام في قبيلة بني عروس بكتابة سورة الإنسان حفظا ورسما بخط مغربي بارع على لوح ونمقه وزينه كعادة الطلبة عند ختم القرآن ، وعلقه بباب السوق قصد التباهي والتحدي بأن يستطيع احد من حفاظ كتاب الله أن يعثر له عن الخطأ . لكن ستفاجئه فتاة ، تحفظ القرآن الكريم بعد مرورها أمام اللوح وتقرأه فتجد ، ما حرص الطاهر على عدم الوقوع فيه ، خطأ في الضبط ألا وهو إغفال الطاهر نقط الشين الثلاث في كلمة امشاج في الأية 2 من السورة ، فقامت الطفلة بدق ثلاث مسامير فوق الشين بمثابة نقط ، وحتى يمر الطاهر ويتذكر الخطأ تذكيرا . كم كانت صدمة الطاهر فيما رأى . فسارع إلى وضع ثلاث أحجار في برنس جلبابه ، وكلما مر عليه أحد قال له : لما فعلت هذا قال : إنها نقط شين أمشاج . الثاني : هو احتفالية طلبة قبيلة الخلط وبتمويل من سكان مدينة العرائش بمناسبة عاشوراء ، حيث يحكي أجنبي يقال له أوجين أوبين زار المغرب وسجل ما رأى من عادات المغاربة كان من جملة ما لاحظه هذا الإحتفال الشيق الذي أعجبه وإلى حدود الستينات من القرن الماضي بقي هذا التقليد من قبل أن يندثر نهائيا . يحكي هذا الأجنبي سنة 1902 أنه وجد طلبة حفظ القرآن لقبيلة الخلط يقيمون مهرجانا ، يحتفلون فيه بإحدى أعيادهم الدينية ، يرتلون ويقرأون وقد أقاموا خياما على طول الجرف البحري الذي يسمى اليوم الشرفة الأطلسية ، يجمعون التبرعات والهدايا من آهالي المدينة ويقيمون بها موائد للأكل وينتقلون على نغمات الموسيقى بين الخيام . وقد وصل عددهم إلى 500 فرد .
(يتبع)
