ads980-90 after header
الإشهار 1

جان- لوي فورنيي: نحن في أمس الحاجة للآخرين لطمأنة نفوسنا لأن لدينا في عزلتنا شكوك هائلة

الإشهار 2

العرائش أنفو

جان- لوي فورنيي: نحن في أمس الحاجة للآخرين لطمأنة نفوسنا لأن لدينا في عزلتنا شكوك هائلة

أحمد رباص

يستدعي جان- لوي فورنيي الكاتب والمنتج التلفزيوني والفكاهي، صديق بيير ديسبروج، النكتة والسخرية للمساعدة في التغلب على الحبس الذي يقاسيه الأشخاص أحيانا كعزلة مؤلمة. اعتاد على غمس قلمه في ماء النار لقتل الوقت وجعل الحياة أقل إيلاما.

خبر الانتهاك والسخرية. مارسهما بخبث عندما أخرج ” La Minute nécessiare de monsieur Cyclopède”. ويتعلق الأمر ببرنامج تلفزيوني فرنسي ساخر من 98 حلقة، تستغرق كل حلقة منها دقيقة واحدة. أصبح هذا العمل جاهزا عام 1982 وجرى تقديمه من قبل ديسبورج وبثه على القناة الفرنسية الثالثة من الاثنين إلى الجمعة على الساعة الثامنة ونصف مساءً خلال عامين.
لكن اليوم، بالنسبة للفائزة بجائزة Femina (نسخة 2008)، لا مجال للانتهاك. إنه يحترم بدقة الحجر المفروض عليه في جناحه الصغير بالدائرة العشرين لباريس. مع “رفيقة استثنائية: قطة تسمى آر ديكو، بيضاء مع بقع سوداء موضوعة بطريقة فنية”.

وجد صيغة لنعت المغامر في “راس الدرب” الذي لا يهتم بالتعليمات: “Celui qui refuse d’être confiné est un con fini”.

يشرح الكاتب – المخرج: “علينا اليوم أن نفصل بين الذات والأنا”. ثم يخبرنا بأن والده كان طبيبا. لهذا أعجب إعجابا كبير بمهنة الطب وبمقدمي الرعاية الصحية الذين يعرضون حياتهم للخطر، الذين يكرسون أنفسهم في ظروف صعبة للغاية لخدمة الآخرين. طبيعي، والحالة هاته، أن يتوجه باللوم والعتاب لأولئك الذين لا يتبعون التعليمات ملحقين الضرر بأنفسهم والأطباء.
هو لا يخشى فترة الحجر هاته. إنه أمر طبيعي. إنها حياته اليومية. يقول: “أنا معزول قليلا طوال الوقت. من خلال تأليف الكتب، نكون خارج العالم لنكون أقرب إلى أنفسنا.”

هذا لا يمنع مجموعة من أصدقائه من التعبئة لمساعدته على التغلب على لحظة الوحدة هذه وتزويده بما يلزم. إنهم يريدون “معرفة ما إذا لم أمت. أقول لهم إنني باق على قيد الحياة بشكل مؤقت”.

إن الفكاهة بالنسبة لهذا الشيخ الفنان مسكن، خيال وهدية من السماء. وفي انسجام تام مع قناعته تلك، كتب جان- لوي فورنيي في La Grammaire française et impertinente، أحد مؤلفاته الأولى التي نُشرت في عام 1992 (Ed. Payot): “من المفترض ألا يتجاهل أحد الفرح”.
“الدعابة منقذ”، “الفكاهة مسكن للألم”.. على أساس هذه المبادئ، سلط جان- لوي فورنيي الضوء على إعاقة ولديه ماثيو وتوماس في قصته “أين سنذهب يا بابا؟” الصادرة عن دار النشر Stock والتي حازت على جائزة Femina سالفة الذكر.

اختار الفكاهة والسخرية السوداء اللتين، حينما تعامل معها بحذر، سمحتا له بالتحدث عن أطفاله والسخرية منهم. كتب أنه يشرفه كثيرا أن يكون أبا، وهذا أتاح له الفرصة للتحدث نيابة عن جميع الآباء الذين لا يستطيعون البوح بآلامهم.

لذا، يعتقد جان- لويس فورنيي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الفكاهة ضرورية: “لإبقاء رؤوسنا فوق الماء. للانفلات من سطوة السبات والكآبة الشاملة. الفكاهة هي عرض اللايحتمل. والله يعلم أننا في وضع لا يطاق وأننا بحاجة إلى هذا العرض”، على حد تعبيره.

في هذه اللحظات التي يواجه خلالها المرء عزلته، يوصي الفكاهي بالتيهان في الخيال. إنه يؤكد على أنه “هدية من السماء، كوة في زنزانتنا. الخيال يجعل كل شيء ممكنا. مع الخيال، لن تشعر بالملل أبدا”. والأكثر أهمية عنده هو “عندما يكون المرء معزولا في 30 متراً مربعاً مع ثلاثة أطفال صغار السن. هذا يتطلب (أيضاً) الكثير من الشجاعة، لأنه من الصعب التعايش مع الضجيج في شقة صغيرة”.

بالنسبة للكاتب والشاعر، فإن هذا الحجر الصحي الإلزامي يدعونا أيضا للهروب بواسطة الفنون، “الأشخاص الذين يحبون الرسم والأدب والموسيقى لن يضيعوا أبدا. العالم الحديث يقدم لنا كل الإبداعات على طبق : أشياء جميلة”.

العزلة، يعيشها جان- لوي فورنيي يوميا. حتى أنه خصص لها كتابا: Je ne suis pas seul à être seul، صدر عن دار النشر JC Lattès سنة 2019. وبالنسبة له، فإن هذه اللحظة الفريدة عندما نجد أنفسنا في مواجهة ذواتنا يمكن أن تكون فرصة للتقييم وإيقاف الشره المرضي للأنشطة.
إنه يدرك أنه من الصعب أن نكون بمفردنا مع ذواتنا، خاصة إذا لم يكن لدينا شيء نتبادل أطراف الحديث حوله. لكنه يعتقد أيضا أنه من الممكن الاستمتاع بهذا العزلة المفروضة. “انظروا إلى الجو الزاهي للرهبان”، يقول هذا المتأمل على الطريقة الأبقورية. “العزلة هي في بعض الأحيان هدية حقيقية. عندما نكون في وسط الاختناقات المرورية، نحلم بالوحدة. في المتحف، لا نرى سوى ظهور الناس”. وأخيرا، يلاحظ أن هناك عددا من الأماكن التي “نريد أن نكون وحيدين” فيها.
من أقوال فنانا الحكيم “لا رغبة لنا في الآخرين، بل نحن في حاجة إليهم”. ومع ذلك، فإن ترويض الشعور بالوحدة لا يجعل جان- لويس فورنيي خبيثا. كتب في عمله الأخير منبها: “على الذين يتصلون بي ويسألوني عما إذا كانوا يضايقونني أن يعلموا، مرة واحدة وإلى الأبد، أنني أنزعج عندما لا يتصلون بي!”.

هذا الخوف من الفراغ، هذا الحاجة إلى التبادل أحيانًا بشكل مفرط، كي لا نقول شيئا، لطمأنة النفس، كل هذا له دلالة كبيرة في هذه الأزمة الصحية. يتساءل عما إذا كان هذا النوع من التهديد بالموت بصدد تغيير الإنسانية بجعلها تدرك أننا فانون.

فعلا، هذا ما يحدث لنا اليوم. أخذنا جميعا نعي بأننا فانون، وهذا ما يجعل الإنسانية أكثر تحركا. “الأشياء التي نعتقد أننا سنخسرها تصبح ثمينة للغاية. نحن نحب تلك التي نخشى خسارتها”، يقول فورنيي.
من هنا جاءت هذه الحاجة، هذه الرغبة في الآخرين، التي تقفز اليوم أكثر من الأمس إلى ناظره، إلى قصبته الهوائية وإلى قلبه. لهذا لاحظ عن حق أننا ” في أمس الحاجة للآخرين لطمأنة نفوسنا لأن لدينا في عزلتنا شكوك هائلة”.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5