عاشوراء… عندما تلتقي الذاكرة الإنسانية عند نهر واحد

العرائش أنفو
عاشوراء… عندما تلتقي الذاكرة الإنسانية عند نهر واحد
يومٌ يتجاوز حدود الزمن والأديان
بقلم: محمد اعبيدو
ليس عاشوراء مجرد يوم في رزنامة التاريخ، ولا مجرد مناسبة دينية عابرة تتكرر كل عام، بل هو موعد روحي استثنائي تتلاقى عنده ذاكرة السماء مع ذاكرة الإنسان، وتتعانق فيه قيم الإيمان والتضحية والنجاة والصبر والوفاء.
إنه يوم يحمل في أعماقه رسائل كونية خالدة، ويجمع بين أتباع الديانات الإبراهيمية حول معانٍ سامية تتجاوز الاختلافات العقدية والمذهبية لتلامس جوهر الإنسان في كل زمان ومكان.
ففي اليوم العاشر من شهر محرم، يقف المسلمون عند ذكرى نجاة نبي الله موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون، ويستحضر اليهود يوم الغفران والتوبة والعودة إلى الله، بينما يستذكر الشيعة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء، رمز التضحية والفداء في سبيل الحق والكرامة.
ورغم اختلاف الروايات والسياقات التاريخية، فإن الرسالة الكبرى تبقى واحدة: انتصار الحق على الباطل، وانتصار الروح على الخوف، وانتصار القيم على الطغيان.
عاشوراء في الإسلام… يوم الشكر والامتنان
في الوجدان الإسلامي، يمثل عاشوراء يوماً من أيام الله العظيمة. ، فعندما قدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وجد اليهود يصومون هذا اليوم شكراً لله على نجاة موسى وبني إسرائيل من فرعون، فقال عليه الصلاة والسلام: “نحن أحق بموسى منهم”، فصامه وأمر بصيامه،ومنذ ذلك الحين أصبح عاشوراء رمزاً للشكر لله تعالى على نعمه، وتجديداً لمعاني الثقة في عدل الله ونصره لعباده المؤمنين.
إن صيام عاشوراء ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة روحية يتعلم فيها المؤمن كيف يحرر نفسه من شهواتها، وكيف يستحضر أن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن النور يولد من رحم الظلمات.
عاشوراء في اليهودية… يوم الغفران والتوبة
أما في التراث اليهودي، فيرتبط اليوم العاشر من الشهر المقدس بمناسبة تعد من أقدس المناسبات الدينية، وهي يوم الغفران، إنه يوم توبة ومراجعة للنفس ومحاسبة للضمير، يوم يقف فيه الإنسان أمام خالقه متجرداً من غروره وضعفه وأخطائه، طالباً الرحمة والمغفرة، وفي هذا المعنى العميق تتجلى وحدة الرسالات السماوية التي جعلت من التوبة والعودة إلى الله طريقاً للخلاص الروحي.فجميع الأنبياء دعوا إلى تطهير القلب قبل تطهير المظاهر، وإلى إصلاح الإنسان قبل إصلاح العالم.
عاشوراء عند الشيعة… ذاكرة الوفاء والشهادة
وفي الوجدان الشيعي، يرتبط عاشوراء بواحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في التاريخ الإسلامي، وهي استشهاد الإمام الحسين بن علي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كربلاء سنة 61 للهجرة، لقد تحولت كربلاء عبر القرون إلى رمز عالمي لمقاومة الظلم والاستبداد، وأصبح الحسين في الضمير الإنساني عنواناً للكرامة والحرية والتضحية.
إن الرسالة التي حملها الحسين تتجاوز حدود المذهب والطائفة، لأنها رسالة الدفاع عن الحق والعدل والإنسان. ولهذا ظل اسمه حياً في قلوب الملايين، ليس باعتباره شخصية تاريخية فحسب، بل باعتباره قيمة أخلاقية وروحية خالدة.
القواسم المشتركة… ما الذي يجمع الجميع؟
ورغم اختلاف الرؤى والمقاربات، فإن المتأمل في عاشوراء يكتشف أن هناك خيطاً روحياً عميقاً يربط الجميع.يجمعهم الإيمان بالله، يجمعهم احترام الأنبياء والرسل ،يجمعهم تقديس القيم الأخلاقية،يجمعهم تمجيد الصبر والثبات، يجمعهم البحث عن الغفران والرحمة ، يجمعهم رفض الظلم والطغيان، يجمعهم الإيمان بأن الحق قد يتأخر لكنه لا يموت.فموسى يمثل الانتصار على الاستبداد.ويوم الغفران يمثل الانتصار على أخطاء النفس، والحسين يمثل الانتصار على الخوف والخضوع، وفي كل هذه المعاني نجد أن عاشوراء ليس ملكاً لجماعة دون أخرى، بل هو تراث روحي وإنساني مشترك.
من عاشوراء إلى الأخوة الإنسانية
إن عالمنا اليوم، المثقل بالحروب والصراعات والكراهية والانقسامات، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استلهام الرسائل العميقة التي يحملها هذا اليوم.فبدلاً من تحويل الاختلافات إلى أسباب للتنازع، يمكن تحويلها إلى جسور للحوار.وبدلاً من استدعاء جراح الماضي، يمكن استحضار حكمته ودروسه.
إن عاشوراء يعلمنا أن الإنسان يستطيع أن يختلف في العقيدة أو المذهب أو الثقافة، لكنه يظل قادراً على الالتقاء حول القيم الكبرى التي تجمع البشرية كلها ،العدل،الرحمة،الكرامة،السلام،التسامح،الأخوة الإنسانية.
نداء إلى ضمير العالم
في عاشوراء، لا نستحضر الماضي فقط، بل نستحضر المستقبل أيضاً.نستحضر عالماً تتعايش فيه الأديان بدل أن تتصارع، وتتحاور فيه الثقافات بدل أن تتنافر ،ويتعاون فيه البشر بدل أن يتقاتلوا.
إن أعظم رسالة يمكن أن يقدمها عاشوراء للإنسانية المعاصرة هي أن طريق النجاة لا يمر عبر الهيمنة والكراهية، بل عبر الإيمان والمحبة والعدل، وإذا كانت أمواج البحر قد انشقت لموسى، وإذا كانت دماء الحسين قد أنارت طريق الأحرار، وإذا كانت أبواب المغفرة قد فُتحت للتائبين، فإن الإنسانية اليوم مدعوة إلى أن تفتح أبواب قلبها من جديد.
فربما يكون عاشوراء، في جوهره العميق، دعوةً متجددة إلى أن نكون أكثر إنسانية، وأكثر رحمة، وأكثر قرباً من الله، وأكثر قرباً من بعضنا البعض.
