جمال العسري يلقن عمر بلافريج درسا في السياسة والأخلاق

العرائش أنفو
جمال العسري يلقن عمر بلافريج درسا في السياسة والأخلاق
احمد رباص
في غمرة إطلالاتي المتتابعة في صباح هذا اليوم على القليل مما يروج في عالم الفيسبوك، سوق عكاظ الموسع، توقفت لقراءة توينة على صفحة “المجموعة الخاصة للحزب الاشتراكي” كتبها ونشرها جمال العسري يوم 18 أبريل الحالي. وبما أني أعرف مسبقا أن حامل هذا الاسم، فضلا عن كونه واحدا من أصدقائي، عضو في المكتب الساسي للحزب المذكور، أدركت أن التدوينة تحمل ولا بد في طياتها موضوعا جديرا بالمتابعة.
بالفعل، وجدت أنها تتحدث في دزينة من السطور عن الوضع الاعتباري الديمقراطي للبرلماني كممثل لحزبه وليس لذاته. من الناحية المبدئية، تجري الانتخابات البرلمانية في الأنظمة الديمقراطية على أساس أن يشارك فيها المرشحون ويخوضوأ حملاتهم الانتخابية تحت يافطة أحزابهم. وفي حالة الفوز بالمنصب، يبقى البرلماني، في العرف الديمقراطي، محافظا على التزامه بالهيئة السياسية التي ينتمي إليها والتي يجب أن يتكلم باسمها بتجرد عن الآنانية والإعجاب بالنفس.
وفي حالة ما إذا سولت للبرلماني نفسه أن يقدمها على حزبه، فعليه إما الاستقالة من البرلمان أو الاستقالة من الحزب. في العديد من الديمقراطيات يفقد البرلماني صفته البرلمانية عندما يختار التغريد خارج سرب حزبه، لأنه ببساطة يلغي ويخرق وينقلب على التعاقد المتعاقد عليه بينه و بين ناخبيه، الذين صوتوا على برنامج حزبه ورمزه.
ها أنتم ترون معي أننا أمام موضوع جوهره فهم سياسي لمسؤولية البرلماني بصفة عامة، ولكنه في العمق رسالة موجهة من كاتبها إلى برلماني مخصوص. وبينما ترددت فطنتي للحظة بين البرلمانيين عن فدرالية اليسار الديمقراطي: عمر بلافريج وعبد اللطيف الشناوي، شبه متقين من أن أحدهما معني برسالة رفيقهما جمال العسري، وإذا بي أصادف على نفس الصفحة الفيسبوكية تدوينة لاحقة لنفس المدون تيقنت بناء عليها أن أسباب نزول التدوينة الأولى لا تخرج عن الجدل الذي أثاره ويثيره البرلماني الأول بانتهاكاته المتكررة لميثاق الشرف الذي أوجزه لنا عضو المكتب السياسي خطوطه العريضة.
إذا التجأ الرفيق جمال إلى أسلوب التلميح في تدوينته الأولى، نراه يختار أسلوب التصريح في الثانية، ذاكرا مخاطبه باسمه الكامل، معلنا بصدق أن عمر جانب الصواب وتمادى في الخطإ، متمنيا ألا تأخذه العزة بالإثم وألا يستمر سائرا في طريق الخطإ. وإذا كان للسارد الحق في التلاعب بالضمائر، فلا مناص لموجه الخطاب المباشر من استعمال ضمير المخاطب (أنت). بهذه الصيغة، يؤاخذ جمال رفيقه عمر على سقوطه في الديماغوجية والغوغائية وحب الذات والأنانية المفرطة في الوقت الذي حاول فيه التهرب من الشعبوية.
وحتى لا تبقى هذه الانتقادات بدون حجة تسندها، أحال جمال على آخر پودكاست نشره عمر، وقال صدمه ما جاء فيه وخاصة هذه الفقرة: ” تكلمت فاللجنة، ومع الأسف كنت الوحيد لي تكلمت، كنعتبر أنا تكلمت بمسؤولية و بدون شعبوية، لا الپام لا الپيجيدي لا الأحرار لا الاتحاد الاشتراكي لا الحركة الشعبية، كلشي. كولشي بالنسبة لي، كولشي مارس الشعبوية، كولشي كايگول خاصهوم يدخلوا دابا، أنا الموقف ديالي عبرت عليه. هاد الشعبوية ماشي فمستوى ديال الأزمة الحالية خاصنا نكونوا مسؤولين ونتكلموا مع الناس بشفافية .”
يتجلى سقوط عمر بلافريج، في نطر جمال العسري، في الديماغوجية والغوغائية من خلال اتهامه للجميع بالشعبوية التي مارسها عن قصد وبإصرار غريب محاولا ممارسة الشفافية، على حد قوله، في إقناع المتصلين به من المغاربة العالقين بالخارج. بمعنى أنه ينهج استراتيجية التخويف و الترهيب. فلإقناع المخالفين لرأيه يميل إلى تهييج مخاوفهم وزيادة إشعال نارها، محاوال تضخيم حالة الهلع بالتركيز على الأفكار المسبقة حول هذا الوباء و كيفية انتقاله، وباللعب بالمشاعر و العواطف. وهنا يستحضر جمال حكاية مشاركته البكاء لمواطنة عالقة ببلجيكا. ويتساءل: أليست هذه الطريقة هي نوع من الغوغائية والديماغوجية ؟.
بذكاء الإطار السياسي وبحنكة رجل التنظيم، لاحظ جمال من خلال الفقرة المأخوذة من البودكاست المذكور أننا أمام “أنا” فردية .ومتعالية وتضخم ذات شخصية. بمعنى أن القضية ليست بعيدة عن اللعب بالضمائر. فكل من تابع پودكاست الرفيق عمر إلا ويلمس حضور ضمير المتكلم “أنأ”، وهي هنا “الأنا” الفردية، لا “الأنا” الجمعية. لهذا لا نستغرب إذا وجدنا عمر يستعمل صيغة المتكلم ست مرات في جملة واحدة.
في فقؤة موالية، دعا جمال رفيقه عمر إلى أن يلاحظ معه كيف أنه حين تكلم عن الآخر تكلم عنه بصيغة الجمع. تحدث عن التنظيم دون ذكر الأشخاص المتدخلين بأسمائهم. كل ما هناك أنه أتى على ذكر التنظيمات السياسية التي ينتمي إليها الأخرون، ولكن عندما يتعلق الأمر به يعبر عن موقفه الشخصي وليس عن موقف التنظيم الذي هو عضو فيه (الحزب الاشتراكي الموحد)، ولا حتى التنظيمات التي يمثلها ( أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي).
يواصل جمال قلب أوراق زميله عمر ليحيل هذه المرة على مداخلة الأخير في لجنة العلاقات الخارجية التي أبدى فيها موقفه من قضية المواطنين المغاربة العالقين بالخارج التي أصبحت قضية رأي عام. وعلى ذكر هؤلاء، يقدر المدون أن عددهم لا يتجاوز على أكثر تقدير العشرين ألفا، بدل العدد ثلاثة ملايين المعلن عنه.
لكن بعدما تيين أن موقفه ورأيه ظهرا مناقضين ومعاكسين لموقف الحزب الذي عبر عنه قيما بعد، ألم يكن من الأنسب أن يتراجع عن رأيه؟ ألم يكن من الأفضل أن يعبر عن موقف الحزب؟ وأن يدافع عنه؟ و حتى إن منعته عزة نفسه من التراجع، وحتى لا يظهر بمظهر المنقلب على مواقفه، ألم يكن من الأجدر به الصمت، لا أن تأخذه العزة بالإثم، ويتمادى في خطإه؟
في الفقرة الأخيرة من هذه التدوينة الثانية، يذكر جمال رفيقه عمر بأنه جاء في كلامه “أنا الموقف ديالي و لي عبرت عليه”، سائلا إياه: أليس من المخجل أن يصدر عن برلماني مثل هذا الكلام ؟ أليس من الغريب أن ينسب مواقف الآخرين لأحزأبهم وينسب موقفه لشخصه؟ هل نفهم من هذا أنه فوق الحزب، فوق التنظيم، وأن هذا فهمك للبرلماني؟ و هنا فقط يأذكره بما وقع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لما تقوى وتغول برلمانيوه، وأصبحوا قوة فوق قوة المكتب السياسي للحزب. كلنا نعرف كيف أصبح حال حزب “القوات الشعبية.”
