ads980-90 after header
الإشهار 1

تأملات من عُمق طراسة: عن الوعي وأقنعة الهجرة ومستقبل الأجيال

الإشهار 2

العرائش أنفو

تأملات من عُمق طراسة: عن الوعي وأقنعة الهجرة ومستقبل الأجيال
امين أحرشيون

​في لحظات نادرة من العمر، نلتقي بأشخاص يغيرون مسار تفكيرنا ويصبحون هم المنعطف الحقيقي في فهمنا للوجود. لقد كان لي هذا المساء نقاشٌ عميق مع صديق من قدماء مدينة طراسة، وزاد من قيمة هذا اللقاء وجود صديق إسباني كتلاني كان أحد أولئك الذين لا تُنسى مواقفهم؛ فهو الذي وقف بجانبي في أيام المرض الصعبة ورافقني بكل نبل حتى مستشفى سان باو ببرشلونة. في تلك اللحظات، وبفضل تلك المعاملة الإنسانية النبيلة، أدركت معنى أن أكون إنساناً واعياً بما يقوله ويفعله، وفهمت أن الإنسانية الحقيقية لا تعرف الحدود أو الجنسيات، بل تتجلى في الموقف والقلب.
​قادنا الحديث ونحن نستحضر مستجدات مدينة طراسة وحي كان أنغلادا، إلى مقارنة دقيقة بين جيل كرس حياته للعلم والدراسة والبرهنة على قدراته الفكرية، وبين واقع يعيشه اليوم الكثير من شباب الجالية، سواء من الوافدين الجدد أو ممن استقروا لسنوات دون أن يتغير في فكرهم شيء. لقد اتفقنا على أن هناك اصطداماً حقيقياً يعيشه المهاجر اليوم، حيث يغرق في فخ المادية الصرفة، مختزلاً حياته في العمل الشاق طوال السنة، وتجميع المال، من أجل قضاء عطلة صيفية قصيرة يعود فيها إلى الوطن لاستعراض مظاهر النجاح المادي فقط. هذا النمط من الحياة يجعل الشخص يعيش في إسبانيا كـ “محطة وقود” مؤقتة، دون أي رغبة في الاندماج الفكري أو تطوير الذات، وهو ما يدفعه للعيش بأقنعة متعددة ومتصنعة للوجوه، رافضاً التصالح مع واقعه الجديد ومتهرباً من الإجابة على السؤال الجوهري: ما هو هدفي الحقيقي من هذه الحياة؟ ولماذا أنا هنا؟
​وفي قلب هذا النقاش الحماسي، وصلنا إلى قناعة بأن المسؤولية الاجتماعية تقع على عاتق أولئك الذين ينصبون أنفسهم اليوم “مصلحين” وحماة للهوية والتقاليد. فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن هؤلاء يعيشون بأنفسهم صراع الأقنعة؛ إذ يتصنعون الخطاب لإرضاء الأطراف وكسب المصالح الشخصية، بينما يغيب عنهم تماماً الاهتمام بمستقبل الأجيال القادمة. إن هؤلاء “المصلحين” لا يهمهم أن يكون الشباب واعياً أو متعلماً لأن ذلك يهدد مصالحهم الضيقة، وهم بذلك يساهمون في استمرار حالة الضياع الفكري. لقد خلصنا إلى أن الهجرة لم تكن يوماً مجرد رحلة للبحث عن لقمة العيش، بل هي فرصة للارتقاء الفكري وبناء الإنسان، وحان الوقت لننزع هذه الأقنعة ونواجه الواقع بصدق، بعيداً عن تجارة الشعارات والمصالح التي لا تزيد شبابنا إلا تشتتاً وضياعاً بين ما يعيشونه وما يتصنعونه.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5