بلاغ وطني وروحي تاريخي حول واقع التصوف بالمغرب

بلاغ وطني وروحي تاريخيحول واقع التصوف بالمغرب
العرائش أنفو
محمد اعبيدو
رئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن
وحفيد القطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا الفقير إلى الله محمد اعبيدو،
أتكلم لا من مقام النسب، بل من ثقل الأمانة،
ولا من موقع الوصاية، بل من واجب الشهادة،
ولا بدافع الانتماء الضيق، بل خوفًا على رسالة روحية كبرى كانت وما تزال من أعمدة الهوية المغربية.
إن التصوف المغربي، بما هو ذاكرة الأمة الروحية وعمقها الأخلاقي، وركيزة اعتدالها التاريخي، يقف اليوم عند لحظة مفصلية، بعد أن أنهكته الانقسامات الداخلية، وأضعفته الصراعات العقيمة، وكبّلته بقايا إرث استعماري لم يتم تفكيكه لا في الوعي ولا في البنية ولا في المنهج.
لقد تحوّلت بعض الفضاءات الصوفية، بدل أن تكون مدارس للتزكية والتحرر الروحي، إلى ساحات تنازع، تحكمها أحيانًا منطق العائلة والتوريث لا منطق الرسالة والكفاءة، وتُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق الخدمة، فغاب المقصد، وضاع المعنى، وانكسرت الرسالة.
إن ما يعانيه التصوف اليوم ليس أزمة أشخاص،
بل أزمة رؤية،
وليس خلاف طرق،
بل اختلال مقصد،
وليس صراع زوايا،
بل انكسار أمانة تاريخية.
وفي خضم هذا الضعف، وجد التصوف المغربي نفسه محاصرًا بين تيارين متناقضين ومتطرفين في آن واحد:
تيار سلفي وهابي متشدد، ينكر البعد الروحي للإسلام، ويختزل الدين في ظاهر جامد، ويكفّر الذاكرة، ويجفف الوجدان، ويخاصم الجمال والإحسان.
وتيار علماني منبتّ، لا يعترف بالخصوصية المغربية في التدين، ولا يرى في التصوف سوى تراث فولكلوري أو ظاهرة اجتماعية متجاوزة، منكرًا دوره التاريخي في بناء الإنسان والمجتمع والدولة.
وبين هذا وذاك، يُدفع التصوف المغربي إلى الهامش،
وهو في جوهره قلب الوسطية، وروح الاعتدال، وحصن الهوية، وصمام أمان المجتمع.
إنني، من هذا الموقع، لا أدعو إلى صراع،
ولا أستنهض عصبية،
ولا أبحث عن تموقع أو امتياز،
بل أطلق نداء ضمير ومسؤولية:
كفى من تضييع رسالة الإحسان
كفى من اختزال التصوف في الأسماء والرموز
كفى من الهروب من النقد باسم القداسة
نحن اليوم في حاجة ماسّة إلى صحوة صوفية مغربية وطنية،
صحوة تتحرر من منطق الزوايا المغلقة،
وتنفض عنها غبار التوريث والجمود،
وتستعيد جوهر التصوف:
تزكية، أخلاق، سلوك، خدمة، ومسؤولية روحية تجاه الإنسان والوطن.
تصوفٌ لا يُستعمل لمواجهة تطرف بتطرف مضاد،
ولا يُوظّف في صراعات سياسية أو أيديولوجية،
بل يقوم بدوره الطبيعي:
ترميم الروح، تهذيب العقل، وتحرير الإنسان من الخوف والكراهية والعنف.
إن مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه
لم يكن مشروع زاوية،
ولا إرث عائلة،
ولا رمزًا للتبرك الصامت،
بل كان مشروع إنسان،
حرًّا في روحه،
صادقًا في طريقه،
جامعًا بين الشريعة والحقيقة،
بين العقل والقلب،
بين العبادة والمسؤولية.
إن مستقبل التصوف بالمغرب لن يُبنى بالحنين وحده،
ولا بالشرعية التاريخية فقط،
بل بـنقد شجاع للذات،
وتجديد صادق في المنهج،
وفتح الأبواب أمام الكفاءات الروحية والفكرية،
والقطع مع كل ما يشوّه رسالة الإحسان.
هذا بلاغ للتصحيح لا للإدانة،
ودعوة للتجديد لا للهدم،
وشهادة أمام الله،
وأمام التاريخ،
وأمام الوطن.
فإما أن يكون التصوف نورًا جامعًا،
أو يُترك فريسة للتمزق والنسيان.
والله على ما نقول شهيد،
والله من وراء القصد.
