زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر: بين نداء الروح وحسابات التوظيف السياسي

العرائش أنفو
زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر: بين نداء الروح وحسابات التوظيف السياسي
لم تكن بداية الجولة الإفريقية للبابا ليون الرابع عشر من الجزائر حدثًا عابرًا أو اختيارًا بروتوكوليًا، بل جاءت محمّلة بدلالات روحية عميقة، ارتبطت أساسًا برغبة شخصية قديمة لدى البابا في زيارة أرض القديس أوغسطينوس، الذي يرقد في عنابة، والذي يعتبره الأب الروحي والفكري لمسيرته اللاهوتية.
غير أن هذه الزيارة، التي كان يفترض أن تبقى في بعدها الروحي والحضاري، سرعان ما أُحيطت بهالة من التوظيف السياسي المكثف من قبل السلطات الجزائرية، بشكل بدا—في نظر كثير من المتابعين—مبالغًا فيه، وموجّهًا ضمنيًا لخدمة أجندات تتجاوز طبيعة الحدث الديني.
من قداسة أوغسطينوس إلى حسابات النفوذ
اختيار الجزائر كبداية للجولة يحمل في جوهره رسالة دينية خالصة: عودة إلى الجذور، إلى شمال أفريقيا الذي أنجب أحد أعمدة الفكر المسيحي. لكن هذا البعد سرعان ما تداخل مع رغبة رسمية جزائرية في تحويل الزيارة إلى مكسب رمزي وسياسي.
فقد حرصت السلطات، بقيادة عبد المجيد تبون، على إضفاء طابع رسمي استثنائي على الزيارة، من خلال الاستقبال رفيع المستوى، وتنظيم زيارات ذات حمولة تاريخية قوية، مثل التوجه إلى مقام الشهيد، وربط الحدث بخطاب الذاكرة الوطنية.
غير أن اللافت لم يكن فقط في هذا الاحتفاء، بل في السعي الواضح لتقديم الجزائر كفاعل ديني وروحي محوري في أفريقيا، في وقت يشهد فيه المجال الديني الإقليمي نوعًا من التنافس غير المعلن، خاصة مع المغرب.
التنافس الديني في شمال أفريقيا: قراءة في الخلفيات
في السنوات الأخيرة، برز المغرب كقوة ناعمة في المجال الديني، من خلال مؤسسات مثل إمارة المؤمنين، ودوره في تكوين الأئمة، ونشر نموذج الإسلام الوسطي في أفريقيا. هذا الحضور المتزايد جعل من الساحة الدينية مجالًا للتنافس الرمزي بين الرباط والجزائر.
وفي هذا السياق، يمكن فهم إصرار الجزائر على توظيف زيارة البابا كنوع من “إعادة التموضع”، ومحاولة لإبراز نفسها كفضاء للتسامح الديني والتعدد الروحي، بل وكجسر بين الإسلام والمسيحية في القارة.
لكن هذا التوظيف، حين يبلغ حدّ المبالغة، يطرح تساؤلات مشروعة:
هل كانت الرسالة الروحية للزيارة في صدارة المشهد؟ أم تم توجيهها لتخدم سردية سياسية مرتبطة بالتنافس الإقليمي؟
بين الرمزية والتضخيم
لا شك أن استقبال شخصية دينية عالمية بحجم البابا يمثل حدثًا مهمًا لأي دولة، لكن تحويله إلى أداة في صراع رمزي، قد يُفقده جزءًا من صدقيته الروحية.
فالزيارة، في جوهرها، كانت دعوة للسلام، وللاعتراف بجذور أفريقيا الروحية، ولإبراز دورها في تشكيل الفكر الإنساني. غير أن الخطاب الرسمي الجزائري بدا وكأنه يسعى إلى احتكار هذه الرمزية، وتقديمها كإنجاز سياسي، أكثر منها لحظة تأمل إنساني.
البابا بين الرسالة والتأويل
في مقابل هذا التوظيف، حافظ البابا ليون الرابع عشر على خطابه المتوازن، حيث ركّز على قيم السلام، والحوار، وكرامة الإنسان، دون الانخراط في أي اصطفاف سياسي. لقد تحدث بلغة تتجاوز الحدود، بينما كانت بعض الجهات تحاول حصر الزيارة في إطار وطني ضيق.
خاتمة: حين تُختبر النوايا
زيارة البابا إلى الجزائر كانت فرصة نادرة لإبراز البعد الروحي والتاريخي لشمال أفريقيا، لكنها تحولت—جزئيًا—إلى ساحة لتجاذبات سياسية ورمزية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن للدين أن يظل جسرًا للتقارب في زمن التنافس؟
أم أن السياسة ستظل تسعى إلى توظيف كل ما هو رمزي لخدمة حساباتها؟
في النهاية، تبقى قيمة الزيارة فيما حملته من رسائل إنسانية عميقة… لا فيما أُريد لها أن تمثّله من انتصارات ظرفية.
محمد اعبيدو
