ads980-90 after header
الإشهار 1

عن تاريخ الغباء الجزائري

الإشهار 2

العرائش أنفو

عن تاريخ الغباء الجزائري

محمد إنفي

لفهم طبيعة الغباء الجزائري الذي أصبح يُضرب به المثل، فلا بد من الرجوع إلى جذوره التاريخية والاجتماعية والذهنية والسيكولوجية، خصوصا وقد أصبح اليوم معديا بعد التحولات التراكمية التي طرأت على البيئة الجغرافية والسياسية والثقافية التي هي مصدر هذا الغباء. فالتاريخ يفيدنا بأن ما يسمى اليوم بالجزائر لم يكن لها وجود كدولة قبل سنة 1962. ونتحدى كل المؤرخين الجزائريين وكل أبواق النظام العسكري وذبابه الإليكتروني، أن يقدموا لنا دليلا واحدا على وجدود الجزائر كدولة قبل هذا التاريخ. ونحن لا نطلب منهم المستحيل؛ فيكفي أن يقدموا لنا طابعا بريديا أو عملة نقدية باسم الجزائر أو يدلوا بأوراق اعتماد سفير أو تعيين وزير أو تنصيب رئيس أو غير ذلك من الحجج الموثوقة.
وهذا يعني أن ما نسميه اليوم بالشعب الجزائري عاش قبل هذا التاريخ، ولعدة قرون، في ظل استعمار مستدام، متعدد الأعراق ومتنوع الثقافات على رقعة جغرافية محدودة ومحاطة بدول لها أمجاد تاريخية وعراقة ثقافية وحضارية مثل المغرب وتونس. وهذا يدحض كل ما يدعونه من أمجاد تاريخية ومن صولات تراثية وما يزعمونه، بعنتريات فارغة (أو بلغة بوتفليقة “الزلط والتفرعين”)، من نخوة ومن عزة نفس ورجولة وما إلى ذلك من الادعاءات الكاذبة.
آخر دولة استعمرت ما يعرف اليوم بالجزائر لمدة 132 سنة، هي فرنسا. وهي التي منحت لها هذا الاسم بعدما اشترت الإيالة العثمانية من الداي حسين، وعملت على توسيع جغرافية هذه الإيالة على حساب جيرانها (المغرب، تونس، ليبيا، مالي، النيجر)؛ حيث اقتطعت من هذه البلدان أجزاء مهمة فصنعت بها مقاطعتها الإفريقية الفسيحة (l’Algérie française). وهكذا، صارت الجزائر الفرنسية، في مطلع القرن العشرين، الأكبر والأوسع مساحة في إفريقيا.
وهذا ما يفسر تشبث الجزائريين بالحدود الموروثة عن الاستعمار؛ والمقصود به الاستعمار الفرنسي الذي جعل من مجرد إيالة عثمانية على قطعة جغرافية محدودة جدا، مقاطعة فرنسة مترامية الأطراف؛ ذلك أن فرنسا كانت تنظر إلى هذه المقاطعة كامتداد طبيعي لترابها، مثلها مثل باقي الأراضي الفرنسة المعروفة بأراضي ما وراء البحار (territoires français d’outre-mer). وفي هذا تأكيد بأنه لم يكن هناك شيء اسمه الجزائر لا كجغرافيا ولا كدولة ولا كشعب، قبل الاحتلال الفرنسي.
وهنا، ندرك المصدر الحقيقي للغباء الذي يميز الجزائر عن باقي جيرانها، ونفهم أن الشعب الذي عاش دائما تحت عباءة المستعمر، لا يمكن أن يكون إلا خنوعا وذليلا وفاشلا. فلو لم يكن كذلك، لاستطاع أن يدافع عن نفسه وعن أرضه بكل الوسائل ولتمكن من بناء دولة تُشعره بقيمة الأرض والوطن وقيمة الانتماء. لكن الشعب الذي عاش على أرض كانت دائما مستعمرة، فهو لم يعرف معنى أن يكون له وطن ودولة ولا معنى أن يكون له تاريخ وتراث؛ ذلك أن التراث تبنيه دول وشعوب، والجزائر، قبل الاستعمار الفرنسي، لم يكن فيها لا دولة ولا شعب بالمفهوم السياسي والاجتماعي للشعب. وهنا، تبرز أسباب عقد الجزائريين التي يمكن إجمالها في أزمة هوية، أزمة تاريخ، أزمة كينونة، وعقد نفسية كالشعور بالنقص والشعور بالدونية وغيره. فالجزائري، خلال قرون، لم يكن شيئا مذكورا. لذلك، لم يعرف لا معنى الرجولة ولا معنى الوطنية ولا معنى الانتماء إلى دولة أو مجتمع ولا…ولا… وهذا ما جعله ضعيف الشخصية ومحدود التفكير؛ وتراكم هذه العناصر أنتج أقواما هُجناء صفتهم الغالبة، هي الغباء.
ولمن يشك في هذا الأمر، نحيله على الإعلام الجزائري بكل فروعه (المكتوب والمرئي والمسموع) وبكل أنواعه (السياسي والرياضي، الإخباري والتحليلي…) الرسمي وغير الرسمي. ونحيله أيضا على المشاركات الجزائرية في “المباشرات” (les leifs ) سواء على اليوتيوب أو على شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى. وهنا، سيدرك مدى محدودية التفكير وكمية الجهل لدى المتدخلين الجزائريين؛ والجهل، هنا، لا ينحصر في غياب المعرفة، بل يشمل أيضا قواعد الحوار وآداب النقاش. فالجزائري عادة ما يلجأ إلى السب والشتم كوسيلة للهروب من النقاش. وصدق من وصف الجزائر بمارستان مفتوح للأمراض العقلية والنفسة.
وبسبب الغباء الموروث عن الماضي الاستعماري الممتد في التاريخ كما أسلفنا، ولغياب تقاليد الحكم لدى قيادة “الثورة” الجزائرية ولجهلهم بأهمية المؤسسات وبقواعد التفاوض، فقد سلموا رقبتهم للمفاوض الفرنسي فأملى شروطه المجحفة، سياسيا واقتصاديا، على المفاوض الجزائري. ومعاهدة “إبيان” شاهدة على هذه الحقيقة التاريخية التي لا ينكرها إلا بعض الجزائريين. هذه حقائق معروفة، لا داعي للتفصيل فيها.
ولنفس السبب (الغباء والجهل)، فقد تنكرت الجزائر لفضل جيرانها عليها، وأصبحت نموذجا للغدر والخيانة ونكران الجميل. وقد ظهر هذا منذ الأيام الأولى للاستقلال الصوري للجزائر. لقد تنكر المحسوبون على “الثورة”، لكل عهودهم وتعهداتهم لجيرانهم، فانقلبوا على ما عاهدوا عليه أب الأمة المغربية، الملك محمد الخامس رحمه الله، الذي رفض أن يكف عن دعم الثورة الجزائرية مقابل أن تُرجع له فرنسا ما اقتطعت من الأراضي المغربية، واضعا ثقته في أناس صفتهم الغالبة الغدر والخيانة. فلا الحكومة المؤقتة صانت عدها ولا حكومة بنبلة رعت الجورة والأخوة والعهود.
خلاصة القول، الغباء الجزائري لم يكن وبالا على الجزائر وحدها، بل عواقبه كانت وخيمة على شمال إفريقيا كلها. لقد تسبب في فشل الاتحاد المغاربي وتسبب في حرمان بلدان شمال إفريقيا من التكامل الاقتصادي والنمو المطرد، فبقيت هذه البلدان تعاني من التأخر السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وأفدح ما صنعه الغباء الجزائري في الجزائريين أنفسهم، هو ما يعانونه اليوم من خصاص في كل شيء، رغم ما تتوفر عليه بلادهم من ثروات هائلة.
مكناس في 20 أبريل 2026

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5