الاندماج ليس شاياً ورقصاً: نقد للواقع التنظيمي في خيام برشلونة

العرائش أنفو
الاندماج ليس شاياً ورقصاً: نقد للواقع التنظيمي في خيام برشلونة
أمين أحرشيون
تعتبر فيريا أبريل ببرشلونة تظاهرة سنوية تهدف في ظاهرها إلى مد جسور التواصل بين الثقافة الأندلسية والواقع الكتالوني، وهي مناسبة تحرص مؤسسة ابن بطوطة على الحضور فيها كطرف منظم ومنسق أساسي.
هذا الحضور الذي تدعمه المؤسسة بتنسيق مع شركائها الرأسماليين من أبناك وتجار، يضعنا أمام مفارقة عميقة بين الأهداف المعلنة والواقع المعيش؛ فالمؤسسة، ومن خلال الخيمة المغربية التي تشرف عليها، تنجح بالفعل في خلق رواج اقتصادي لافت يعتمد على تسويق المنتجات التقليدية والشاي والحلويات بأسعار ربحية واضحة، مما يحول النشاط إلى مشروع تجاري بامتياز يخدم مصالح المنظمين والشركاء. إلا أن هذا النجاح المادي يقابله إخفاق في تقديم الجوهر الحضاري للمغرب، حيث يتم اختزال الهوية في مظاهر استهلاكية تفتقر للعمق التربوي والأخلاقي.
إن الإشكال الحقيقي يكمن في نوعية المحتوى الفني الذي تختاره مؤسسة ابن بطوطة لملإ هذا الفضاء، حيث يلاحظ طغيان أنماط غنائية وسلوكيات لا تمت للفن الشعبي الأصيل بصلة، بل تكرس نوعاً من الفوضى الفكرية والمسلكية التي تسيء لصورة الجالية. وبدلاً من أن تكون الخيمة جسراً للتعايش والاندماج الراقي، تتحول في كثير من الأحيان إلى تجمع للمشاغبين والباحثين عن صخب لا يعكس تحضر الإنسان المغربي، مما يكرس “فنون الجاهلية” بمفهومها الحضاري المتردي. هذا الوضع يضع المؤسسة المنظمة أمام مسؤولية تاريخية؛ فالاكتفاء بحشد الجماهير العطشى للفن وتوفير السلع التقليدية لا يبني صورة إيجابية في بلد المهجر، بل يساهم في عزل الجالية داخل قوالب نمطية سلبية.
وتكتمل صورة النقد بوضع اليد على العصب الحساس في أي تظاهرة كبرى، وهو “الأمن والنظام”. فالغناء الشعبي المغربي ليس مجرد موسيقى، بل هو تاريخ عريق وفن ضارب في الجذور يمثل الهوية الوطنية، ووضعه في سياق “فيريا أبريل” أمام جماهير متنوعة يتطلب حساً عالياً بالمسؤولية التنظيمية. الخلل الجوهري يظهر في غياب التوازن بين حجم الحشد الجماهيري وبين الوسائل اللوجستية والأمنية الكفيلة بضبط هذا الحشد، إذ لا يمكن تصور خيمة مغربية بهذا الثقل والزخم دون وجود شركات أمنية مختصة تعمل على فرض النظام بطريقة حضارية تعكس رقي الجالية.
هذا الغياب للأمن التنظيمي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول أولويات مؤسسة ابن بطوطة والمنظمين؛ هل التركيز منصب فقط على تحصيل الأرباح وضمان “خيمة مليانة” كيفما كان الثمن، أم أن الهدف هو تقديم صورة مشرفة تليق بالمواطن الإسباني والكتلاني والمغربي على حد سواء؟.
إن التنظيم المحكم هو الذي يصنع الفارق بين النشاط الثقافي الراقي وبين التجمعات العشوائية التي تسودها الفوضى، فعندما تغيب الصرامة التنظيمية، تضيع قيمة الفن الشعبي وتتحول الأجواء إلى مرتع لسلوكيات تخدش الحياء وتسيء للسمعة الجماعية، وهو ما ينسف مفهوم “التعايش” من أساسه.
إن الواجب المهني والأخلاقي يفرض على المنظمين استثمار جزء من تلك المداخيل المالية في جلب مختصين في الأمن والتنظيم، لضمان أن يمر النشاط في أجواء تحترم خصوصية الثقافة المغربية وتحمي الزوار من أي انزلاقات سلوكية. إن الاندماج الحقيقي الذي يجب أن تسعى إليه مؤسسة ابن بطوطة يتطلب الارتقاء بالذوق العام وفرض الانضباط الأخلاقي، ليكون الوجود المغربي في قلب برشلونة إضافة نوعية تعكس الرقي والتحضر، لا مجرد موسم تجاري يغيب فيه العقل وتضيع فيه القيم تحت وطأة الصخب والبحث عن الربح السريع الذي يضحي بالجوهر من أجل المظهر.
