حين يتكلم الأرشيف وتخرس المجاملات: شمال المغرب بين بطولة المقاومة وشبكات النفوذ في زمن الحماية الإسبانية

العرائش أنفو
حين يتكلم الأرشيف وتخرس المجاملات: شمال المغرب بين بطولة المقاومة وشبكات النفوذ في زمن الحماية الإسبانية
بقلم: محمد اعبيدو
ليست كل الجراح التي تنزف مرئية للعين. فهناك جراح تسكن الذاكرة، وتتوارثها الأجيال كما تتوارث الأسماء والملامح والأوطان. ومن بين أعمق جراح الذاكرة المغربية تلك الصفحة المعقدة من تاريخ شمال المغرب، حيث التقت إرادة التحرر بإرادة الهيمنة، وواجهت قبائل الريف وجبالة واحدة من أعتى التجارب الاستعمارية في العصر الحديث.
لقد اعتاد المغاربة أن يستحضروا تلك المرحلة من خلال صور البطولة والفداء، وهي صور حقيقية ومستحقة، إذ سطرت قبائل الريف وجبالة بدمائها ملحمة إنسانية خالدة في مواجهة الاحتلال الإسباني. غير أن التاريخ، إذا أُريد له أن يكون وفياً للحقيقة، لا يمكن أن يُقرأ من زاوية واحدة فقط، ولا أن يُختزل في رواية واحدة مهما كانت نبيلة.
فبينما كانت الجبال تشتعل بالمقاومة، وكانت القرى تدفع أثماناً باهظة من الدماء والدموع والتشريد، كانت هناك على الجانب الآخر شبكة معقدة من المصالح والولاءات والامتيازات التي نسجتها سلطات الحماية الإسبانية داخل المجتمع المحلي، مستفيدة من نفوذ بعض الأعيان والوجهاء والوسطاء الذين تحولوا إلى أدوات لإدارة المجال وضبط السكان وتسهيل استمرار المشروع الاستعماري.
وتكشف الوثائق المحفوظة في الأرشيف العسكري الإسباني بمدريد، والأرشيف العام للإدارة الإسبانية، وتقارير مكتب الشؤون الأصلية، ووثائق المفوضية السامية الإسبانية بالمغرب، أن الاستعمار لم يكن يعتمد على القوة العسكرية وحدها. فالقوة مهما بلغت لا تستطيع أن تحكم مجتمعاً بأكمله لعقود طويلة دون الاستناد إلى حلفاء محليين يوفرون له النفوذ الاجتماعي والشرعية الرمزية والقدرة على اختراق البنية التقليدية للمجتمع.
لقد أدركت سلطات الحماية مبكراً أن احتلال الأرض لا يكفي، وأن السيطرة على الإنسان تمر عبر التحكم في شبكات النفوذ المحلي. ولذلك عملت على استقطاب شخصيات نافذة ومنحها الامتيازات والمناصب والتعويضات والتسهيلات الاقتصادية، مقابل لعب أدوار سياسية وإدارية واجتماعية تخدم استقرار النظام الاستعماري.
وتذهب بعض الوثائق والتقارير إلى حد ذكر أسماء شخصيات وعائلات بعينها، وتحديد مناصبها وطبيعة الخدمات التي قدمتها للإدارة الاستعمارية، فضلاً عن الإشارة إلى أشكال مختلفة من الامتيازات التي حصلت عليها مقابل ذلك. غير أن هذا المقال يتعمد عدم الخوض في الأسماء، لأن القضية أكبر من الأشخاص وأوسع من العائلات؛ إنها قضية بنية تاريخية كاملة ساهمت في تشكيل جزء من واقع شمال المغرب خلال تلك الحقبة.
إن السؤال الأخطر الذي يطرحه الأرشيف ليس فقط: من تعاون ومن قاوم؟ بل كيف تمكن الاستعمار من بناء منظومة كاملة تجعل من الاحتلال أمراً قابلاً للاستمرار؟ وكيف استطاع تحويل بعض النخب المحلية إلى جزء من آلياته السياسية والإدارية؟
لقد كانت قبائل الريف وجبالة تدافع عن الأرض والكرامة والحرية، بينما كانت سلطات الاحتلال تبني في المقابل شبكة نفوذ موازية، قوامها الامتيازات والمصالح والارتباط بمراكز القرار الاستعماري. وهكذا وجد المجتمع نفسه أمام مفارقة مؤلمة: مقاومون يدفعون ثمن الحرية من دمائهم، ونخب أخرى تقترب من دوائر النفوذ التي أنشأها الاحتلال.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الحماية الإسبانية.
فمع اقتراب الاستقلال، دخل المغرب مرحلة جديدة كان عنوانها بناء الدولة الوطنية وتوحيد الصفوف وترميم ما دمرته عقود الاستعمار. وفي خضم هذا التحول التاريخي الكبير، أعادت فئات من النخب التقليدية تموقعها داخل المشهد الجديد، مستفيدة من ما راكمته من نفوذ اجتماعي واقتصادي وإداري خلال العقود السابقة.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي ما زال يثير النقاش بين المؤرخين والباحثين إلى يومنا هذا: إلى أي حد استمرت بعض شبكات النفوذ القديمة في الحضور داخل مؤسسات الدولة الحديثة؟ وإلى أي حد انتقلت المكانة الاجتماعية والاقتصادية من جيل إلى جيل، في إطار ما يسميه علماء التاريخ السياسي والاجتماعي “استمرارية النخب”؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف الأبناء ولا الأحفاد، فالتاريخ لا يورث الذنب كما لا يورث البراءة. غير أن دراسة انتقال النفوذ والثروة والمكانة الاجتماعية عبر الأجيال تظل جزءاً أساسياً من فهم تطور الدولة والمجتمع.ز
والأخطر من ذلك كله أن معركة النفوذ لم تقتصر على السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى الذاكرة نفسها. فالتاريخ ليس مجرد أحداث وقعت وانتهت، بل هو أيضاً رواية تُكتب، وصورة تُرسم، وذاكرة تُصنع. ولذلك يرى عدد من الباحثين أن بعض الصفحات المزعجة من الماضي تعرضت للتهميش أو التجاهل أو التخفيف داخل بعض السرديات اللاحقة، بينما جرى إبراز صفحات أخرى بما يخدم بناء شرعيات جديدة بعد الاستقلال.
وهنا يصبح الأرشيف أكثر من مجرد وثائق قديمة؛ يصبح شاهداً أخلاقياً على زمن مضى، وصوتاً قادماً من أعماق التاريخ ليطرح أسئلة لم تكتمل الإجابة عنها بعد.
إن الحديث عن هذه المرحلة ليس دعوة إلى إحياء الأحقاد، ولا إلى تقسيم المغاربة بين أبناء مقاومين وأبناء متعاونين. فالأمم لا تبنى بالانتقام من الماضي، بل بفهمه. غير أن المصالحة الحقيقية مع التاريخ لا يمكن أن تقوم على النسيان، ولا على المجاملات، ولا على الصمت الانتقائي.
فأرواح المقاومين الذين سقطوا في منطقتى الريف وجبالة تستحق أن تُروى قصتهم كاملة. والقرى التي عانت من الحصار والقصف والتجويع تستحق أن يُنصفها التاريخ. والأجيال الجديدة تستحق أن تعرف أن الحرية التي تنعم بها اليوم لم تكن هدية مجانية، بل كانت ثمرة تضحيات هائلة ومعارك طويلة ومؤلمة.
إن قوة الأمم لا تقاس بقدرتها على تمجيد أمجادها فقط، بل بقدرتها على مواجهة أخطائها أيضاً. والتاريخ الذي يخشى الحقيقة يتحول إلى أسطورة، أما التاريخ الذي يواجه ذاته بشجاعة فيتحول إلى مصدر للحكمة والوعي.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على نهاية الحماية الإسبانية، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة الكافية لقراءة ما حدث كما كان، لا كما نرغب أن يكون؟
ذلك هو التحدي الحقيقي.
وذلك هو الدين الأخلاقي الذي ما زال التاريخ ينتظر من الأجيال الوفاء به.
