ads980-90 after header
الإشهار 1

ضفتا المتوسط: من ذاكرة الصراع إلى أخوة المصير المشترك

المغرب وإسبانيا والبرتغال... حين تبني الشعوب ما عجزت السياسة وحدها عن بنائه

الإشهار 2

العرائش أنفو

ضفتا المتوسط: من ذاكرة الصراع إلى أخوة المصير المشترك

المغرب وإسبانيا والبرتغال… حين تبني الشعوب ما عجزت السياسة وحدها عن بنائه

بقلم: محمد اعبيدو
رئيس مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية

في زمن تتكاثر فيه الجدران النفسية والثقافية بين الأمم، وتتعالى فيه أصوات الانغلاق وسوء الفهم والخوف من الآخر، تبرز الحاجة إلى رجال ونساء يحملون مشاعل الحكمة بدل رايات الصراع، ويؤمنون بأن المستقبل لا يُصنع فقط في قصور السياسة ومراكز القرار، بل يُبنى أيضاً في الجامعات ومراكز البحث، وفي المؤسسات الثقافية والمدنية، وفي دور العبادة التي تجمع ولا تفرق، وتوحد ولا تقسم.

فالعلاقات بين المغرب وإسبانيا والبرتغال ليست مجرد علاقات بين دول متجاورة تتقاسم البحر والمصالح الاقتصادية والرهانات الأمنية، بل هي في جوهرها قصة إنسانية عميقة تمتد عبر أكثر من ألف عام من التاريخ المشترك، بكل ما حمله من آلام وآمال، ومن صدامات وتفاعلات، ومن لحظات مواجهة وأخرى من التعايش الخلاق.

لقد كان البحر الأبيض المتوسط، على مدى قرون طويلة، شاهداً على الحروب كما كان شاهداً على ولادة الحضارات. عبرت فوق مياهه الجيوش والأساطيل، كما عبرت الأفكار والعلوم والفنون والقيم الإنسانية. وعلى ضفتيه تشكلت ذاكرة مشتركة لا يمكن لأي قراءة اختزالية للتاريخ أن تمحوها أو تتجاهلها.

ومن الأندلس إلى الرباط، ومن قرطبة إلى فاس، ومن لشبونة إلى تطوان، ما تزال آثار ذلك التلاقح الحضاري العميق حاضرة في العمارة واللغة والموسيقى والفكر وأنماط العيش، شاهدة على أن الشعوب كانت دائماً أقرب إلى بعضها البعض مما توحي به الصراعات السياسية العابرة.

غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه بلدان الفضاء المغربي الإيبيري اليوم لا يتمثل في إدارة المصالح المشتركة فحسب، بل في تحرير الذاكرة من أسر الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تراكمت عبر التاريخ.

وهنا يبرز الدور المحوري للنخب الفكرية والأكاديمية والثقافية والدينية والمدنية.

إن الجامعات ومراكز الدراسات ليست مجرد مؤسسات لإنتاج المعرفة، بل هي مختبرات لبناء الثقة المتبادلة. وإن الباحثين والمؤرخين والمفكرين مدعوون إلى إعادة قراءة التاريخ بروح علمية وإنسانية، بعيداً عن منطق المنتصر والمهزوم، وبعيداً عن توظيف الذاكرة لإحياء الأحقاد أو تغذية الانقسامات.

كما أن منظمات المجتمع المدني تتحمل مسؤولية أخلاقية وحضارية كبرى في مد الجسور بين الشعوب، وتشجيع الحوار الثقافي والتبادل الشبابي والنسائي والحقوقي والبيئي، بما يجعل العلاقات بين الدول علاقات بين مجتمعات حية لا مجرد اتفاقيات موقعة بين الحكومات.

أما قادة الأديان ورجال الفكر الروحي، فإن رسالتهم تكتسب اليوم أهمية استثنائية في عالم يئن تحت وطأة التطرف والكراهية والتعصب. فالأديان في جوهرها ليست دعوة إلى الصراع، بل نداء إلى التعارف والتراحم والتعاون من أجل الخير المشترك.

ومن هنا، فإن بناء فضاء مغربي إيبيري متماسك لا يمكن أن يتحقق بالاقتصاد وحده، ولا بالسياسة وحدها، ولا بالمصالح الآنية وحدها، بل يحتاج إلى ثورة هادئة في الوعي، وإلى مشروع حضاري يجعل الإنسان في قلب كل السياسات والاستراتيجيات.

إن التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال ليس مجرد حدث رياضي عالمي، بل يمثل لحظة تاريخية نادرة تحمل دلالات تتجاوز المستطيل الأخضر. إنه إعلان رمزي عن قدرة الشعوب على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والتاريخ إلى مصدر إلهام، والاختلاف إلى ثراء، والتنوع إلى قوة.

إنه فرصة لكي يرى العالم في هذه المنطقة نموذجاً جديداً للتعاون بين إفريقيا وأوروبا، وبين العالمين العربي والإيبيري، وبين الثقافات والأديان المختلفة.

غير أن النجاح الحقيقي لمونديال 2030 لن يُقاس فقط بعدد الملاعب التي ستُبنى، أو بعدد الجماهير التي ستتدفق، أو بحجم الاستثمارات التي ستُضخ، بل سيُقاس بقدرتنا على تحويل هذا الحدث إلى مشروع إنساني وحضاري دائم يرسخ ثقافة الحوار والتفاهم والتعاون بين الأجيال.

لقد آن الأوان لأن تنتقل العلاقات المغربية الإسبانية البرتغالية من مرحلة تدبير المصالح إلى مرحلة صناعة المصير المشترك.

آن الأوان لأن تصبح الجامعات جسوراً للمعرفة، وأن تصبح الجمعيات جسوراً للتضامن، وأن تصبح دور العبادة جسوراً للأخوة الإنسانية، وأن يصبح المثقفون والباحثون والفنانون والإعلاميون سفراء للتقارب بين الشعوب.

فالتاريخ الذي صنعته الحروب يمكن أن تصححه الحكمة.

والحدود التي رسمتها الصراعات يمكن أن تتجاوزها القيم المشتركة.

والبحر الذي كان يوماً مسرحاً للمواجهات يستطيع أن يصبح فضاءً للقاء.

إن المغرب وإسبانيا والبرتغال مدعوون اليوم إلى كتابة صفحة جديدة في تاريخ المتوسط؛ صفحة لا تقوم على استحضار جراح الماضي، بل على استلهام دروسه؛ صفحة تجعل من الذاكرة جسراً للمصالحة، ومن التنوع مصدراً للإبداع، ومن الحوار طريقاً نحو السلام.

فالأمم العظيمة لا تُخلَّد لأنها انتصرت في الحروب، بل لأنها انتصرت للإنسان.

محمد اعبيدو
رئيس مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5