ads980-90 after header
الإشهار 1

VAR أصدق أنباء من الأعذار

الإشهار 2

العرائش أنفو

VAR أصدق أنباء من الأعذار

الكاتب : سعيد ودغيري حسني

كان المتنبي يؤمن أن للسيف كلمة لا تستطيع الكتب أن تقولها،ولو عاد اليوم لربما ابتسم وهو يرى سيفا جديدا لا يلمع في غمد ولا يمتطي جوادا بل يجلس هادئا أمام شاشة صغيرة ينتظر أن يكذب أحد،اسمه VAR،لا يريق دما،بل يريق الأعذار،ولا يقطع الرؤوس،بل يقطع الحكايات من جذورها،ومنذ أن عرفته ملاعب الكرة وأنا أتساءل،لماذا احتكرته كرة القدم،أليست حياتنا أكثر ازدحاما بالأخطاء،وأكثر امتلاء بالتمثيل،وأكثر حاجة إلى إعادة اللقطة.

لو كان الأمر بيدي لأرسلت غرفة VAR إلى الحياة كلها،إلى البيوت،إلى الإدارات،إلى البرلمانات إلى المقاهي،
إلى قاعات الأعراس،بل إلى قلوبنا قبل جيوبنا،ولعل أول من سيعلن الحرب عليها هم صناع الأعذار،فهؤلاء قوم يعيشون على اختراع الروايات،كل صباح يولد عندهم فيلم جديد،وكل مساء يفوز بطله بجائزة أفضل ممثل،
سيخرج الزوج من البيت كعادته،ثم يعود بعد ثلاث ساعات وهو يمسح جبينه ويقول،سامحيني،الطريق كانت مكتظة،فتهمس غرفة VAR،بعد مراجعة اللقطة،تبين أن الطريق كانت سالكة،لكن المقهى كانت مزدحمة،
وأن مباراة الأمس احتاجت إلى تحليل أطول من المباراة نفسها،ويخفض الزوج رأسه،ليس خجلا،بل بحثا عن مخرج للطوارئ،أما الزوجة،فسوف تبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي يخافها الأزواج أكثر من العاصفة،وتقول:
أنا لست غاضبة,فترد غرفة VAR,بعد مراجعة اللقطة,تبين أن درجة الغضب تجاوزت المسموح به,وأن المتهم أمامه ثوان معدودة للاعتذار قبل إشهار البطاقة الحمراء.

أما الأبناء,فسينقرض من قاموسهم ذلك القسم التاريخي,والله ما أنا؛لأن الإعادة ستكشف صاحب اليد؛وصاحب الفكرة؛وصاحب الخطة؛بل وصاحب الابتسامة التي سبقت الجريمة؛وسيقول الطفل؛القطة أكلت الحلوى؛فتظهر القطة في زاوية الشاشة تنظر باستغراب وكأنها؛ تطالب بمحام يدافع عنها.

أما الموظف؛فسيصبح أكثر الناس كرها للتكنولوجيا؛كل صباح يقسم أن ازدحام السير كان السبب؛لكن غرفة VAR تعرضه وهو يشرب القهوة؛ثم يشرب أختها؛ثم يناقش أخبار الكرة؛ثم يتذكر أن له وظيفة يعيش منها؛
فيقرر الذهاب إليها؛وسيقول المدير؛أنا أتابع كل صغيرة وكبيرة؛فتعيد الكاميرا اللقطة وهو نائم في مكتبه منذ بداية الشوط الأول.

أما السياسي؛فسوف يطالب بإلغاء تقنية VAR لأنها تهدد الأمن الانتخابي؛سيقول:لقد أنجزنا كل الوعود؛
فتبدأ الإعادة؛وعد ثم وعد؛ثم وعد؛ ثم وعد؛حتى تتعب الكاميرا نفسها؛ وتطلب استراحة بين الشوطين!.

أما التاجر؛فسيظل يردد هذا آخر ثمن؛ فترد غرفة VAR؛بعد مراجعة اللقطة؛ ثبت أنه آخر ثمن منذ خمسة عشر عاما؛وأن هذه الجملة أقدم من لافتة المحل.

أما الشاعر؛وأنا واحد منهم؛فسنكون في ورطة حقيقية؛ كلما قلنا؛ هذه القصيدة خرجت من القلب؛ أخرجت غرفة VAR دواوين الشعراء؛ ثم قالت بابتسامة ماكرة؛ القلب صحيح؛لكن القصيدة مرت أولا من قلب شاعر آخر.

أما العاشق؛فهو أكثر الناس خسارة؛ سيقف تحت شرفة محبوبته؛ ويقسم أنها المرأة الوحيدة التي سكنت قلبه؛ فتظهر الشاشة؛ قائمة الاحتياط؛ ثم البدلاء؛ ثم الأرشيف؛ ثم الصور المحذوفة التي ظن أنها ماتت.

يقول للحكم؛ أرجوك أعد اللقطة؛فيجيبه لقد أعدناها أربع مرات ؛ والكذب ما زال متسللا.

أما مواقع التواصل؛فسوف تتحول إلى مدينة أشباح ؛ لأن نصف الصور معدلة؛ ونصف البطولات وهمية؛ ونصف الحكماء لم يقرأوا كتابا في حياتهم؛ وسيظهر المؤثر وهو يقول؛ أنا أعيش ببساطة؛ فتعيد الكاميرا اللقطة فيكتشف الناس أن البساطة كانت تستأجر قصرا ليوم؛ واحد من أجل صورة واحدة.

أما نشرات الأخبار’فستصبح أقصر نشرات في العالم؛ لأن غرفة VAR ستحذف منها كل ما يبدأ بعبارة مصادر مطلعة؛وسيختفي الخبر الذي يبدأ؛ علمنا من مصادر خاصة؛ حتى تثبت تلك المصادر أنها موجودة أصلا؛ بل إنني أتخيل أن غرفة VAR ستدخل يوما إلى جلسة عائلية ؛حيث يختلف الإخوة على قطعة أرض ؛ كل واحد يحمل ألف وثيقة ؛ وألف شاهد ؛ وألف يمين ؛ ثم يظهر صوت هادئ ؛ بعد مراجعة اللقطة؛تبين أن الأب كان يريدكم إخوة ؛ لا خصوما؛ فتعم لحظة صمت ؛ هي الأولى منذ سنوات؛ لكن أخطر زيارة ستقوم بها غرفة VAR؛ لن تكون إلى البرلمان؛ ولا إلى المحكمة؛ ولا إلى بيت زوجين؛ بل إلى قلب الإنسان؛هناك حيث لا كاميرات؛ ولا شهود؛ ولا جمهور؛ ولا معلق رياضي؛ هناك حيث يكذب الإنسان على نفسه أكثر مما يكذب على الآخرين؛ هناك سيظهر التسجيل كاملا؛ كل فرصة ضيعتها خوفا؛ وكل يد كان يجب أن تمسكها فتركتها؛ وكل كلمة حب أخرتها حتى ماتت؛ وكل اعتذار ابتلعته كبرياء لا تستحق الاحترام؛ وهناك فقط؛لن تستطيع أن تطلب إعادة اللقطة؛ لأن العمر لا يعاد؛ والوقت لا يمنح وقتا بدلا عن الضائع؛ ولذلك أخشى أن يأتي يوم يصبح فيه لكل واحد منا VAR خاص؛لا يراقب أقدامنا؛ بل يراقب ضمائرنا؛ وساعتها لن يخرج الناس في مظاهرة ضد الغلاء؛ ولا ضد الضرائب؛ ولا ضد زحمة السير؛ بل سيخرجون جميعا وهم يهتفون بصوت واحد؛أوقفوا الحقيقة قليلا؛ فنحن لم نعتد بعد على رؤيتها بهذا الوضوح؛ ولعل أجمل ما في الإنسان أنه يطالب دائما بالعدالة؛ إلى أن تقف العدالة أمام بابه؛ ثم يبحث عن أقرب عذر؛ ليثبت أن الحقيقة… كانت في حالة تسلل.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5