التصوف… مدرسة الإحسان وحصن الاعتدال في مواجهة الغلو والتطرف

العرائش أنفو
التصوف… مدرسة الإحسان وحصن الاعتدال في مواجهة الغلو والتطرف
بقلم : محمد اعبيدو
في عالم يموج بالأزمات والصراعات والانقسامات، تزداد حاجة الإنسانية إلى خطاب ديني يعيد للإنسان إنسانيته، ويحيي في النفوس قيم الرحمة والمحبة والتسامح. ومن بين أهم المدارس التي حملت هذا المشروع الحضاري عبر التاريخ الإسلامي، يبرز التصوف السني باعتباره مدرسة للتزكية والإحسان، غايتها إصلاح الإنسان قبل إصلاح العمران، وبناء القلوب قبل بناء المؤسسات.
لقد نشأ التصوف في أحضان القرآن الكريم والسنة النبوية، مستلهماً مقام الإحسان الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ومن هذا المنطلق، جعل التصوف من تهذيب النفس، ومجاهدة الهوى، وإحياء مكارم الأخلاق، أساساً للسلوك الإيماني، بعيداً عن التعصب والكراهية والغلو.
وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، أسهمت الزوايا والطرق الصوفية في نشر العلم، وتحفيظ القرآن الكريم، وإطعام الفقراء، وإيواء المحتاجين، وإصلاح ذات البين، وترسيخ قيم التضامن والتكافل. كما لعبت أدواراً وطنية في مقاومة الاحتلال، والدفاع عن وحدة الأوطان، والحفاظ على الاستقرار الروحي والاجتماعي.
وفي المغرب، يشكل التصوف الشاذلي أحد المكونات الأساسية للنموذج الديني المغربي، إلى جانب العقيدة الأشعرية والفقه المالكي وإمارة المؤمنين. وقد استمد هذا التصوف جذوره من تراث القطب الولي مولاي عبد السلام بن مشيش، ومن مدرسة الإمام أبي الحسن الشاذلي، فكان مدرسة تجمع بين الالتزام بالشريعة، وصفاء الروح، وخدمة المجتمع، وترفض الغلو والانحراف.
وفي المقابل، ظهرت عبر التاريخ تيارات تتبنى قراءة متشددة لبعض القضايا العقدية والفقهية، وتوجه انتقادات حادة إلى عدد من الممارسات الصوفية، مثل زيارة قبور الصالحين، والموالد، والأذكار الجماعية، والتوسل، معتبرة أن كثيراً منها لا أصل له أو يعد من البدع. بينما يرى علماء آخرون من أهل السنة أن هذه المسائل محل اجتهاد بين العلماء، وأن مناقشتها ينبغي أن تكون بالحجة والاحترام، بعيداً عن التبديع والتكفير.
ومن المهم كذلك التمييز بين المدارس العلمية والدعوية المختلفة، وبين الجماعات المتطرفة التي تتبنى التكفير والعنف. فالتطرف العنيف ظاهرة معقدة، تتداخل فيها عوامل فكرية وسياسية واجتماعية وأمنية، ولا يمكن ردها إلى سبب واحد أو إلصاقها بجميع المنتسبين إلى اتجاه فكري معين.
وقد أظهرت تجارب عدد من الدول العربية والإسلامية، ومنها سوريا وليبيا والعراق واليمن، أن انتشار الفكر المتطرف، إلى جانب التدخلات الخارجية والصراعات السياسية والانقسامات الداخلية، كان من بين العوامل التي أسهمت في تفكيك مؤسسات الدولة، وإشعال الفتن، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وفتح المجال أمام التنظيمات الإرهابية والعنف المسلح.
إن الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الرحمة، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ولم يكن يوماً دين كراهية أو إقصاء أو تكفير. ولذلك فإن التصوف السني المعتدل يقدم نموذجاً يركز على إصلاح النفس، وترسيخ الأخلاق، وتعزيز المحبة والتسامح، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهي قيم يحتاج إليها عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وليس المقصود من الدفاع عن التصوف الدخول في صراع مع أي مدرسة إسلامية، وإنما التأكيد على أن الاختلاف ينبغي أن يبقى في إطار الحوار العلمي والاحترام المتبادل، وأن وحدة الأمة الإسلامية فوق كل اعتبار، وأن مواجهة التطرف والعنف مسؤولية جماعية يشترك فيها العلماء والمفكرون والمؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية.
لقد أثبت المغرب، عبر تاريخه الطويل، أن الاستثمار في التربية الروحية، والعلم الشرعي الوسطي، وإحياء دور الزوايا في التربية والتأطير الاجتماعي، يمكن أن يسهم في ترسيخ الأمن الروحي، وحماية المجتمع من الغلو والتطرف، وتعزيز قيم المواطنة والعيش المشترك.
إن المستقبل لا تصنعه خطابات الكراهية، ولا دعوات التكفير، ولا منطق الإقصاء، وإنما يصنعه الإنسان الذي يحمل في قلبه الرحمة، وفي عقله الحكمة، وفي سلوكه الأخلاق، ويؤمن بأن اختلاف الناس سنة من سنن الله في خلقه، وأن التنافس الحقيقي يكون في الخير والإصلاح وخدمة الإنسان.
وسيظل التصوف السني المعتدل مدرسة للإحسان، ومنارة للسلام، وجسراً للمحبة، ورسالة روحية تؤكد أن بناء الإنسان هو أعظم مشروع حضاري، وأن إصلاح القلوب هو الطريق إلى إصلاح المجتمعات، وأن الأوطان لا تحفظ إلا بالعلم والعدل والرحمة، وبالتمسك بالقيم الإسلامية السمحة التي جعلت من الرحمة أساس الرسالة، ومن الكرامة الإنسانية غاية الشريعة.
