عندما تشجع الحكومة على الفساد فاعلم أن القادم أسوأ على الأفل اجتماعيا

العرائش أنفو
عندما تشجع الحكومة على الفساد فاعلم أن القادم أسوأ على الأفل اجتماعيا
محمد إنفي
رفضت الأغلبية الحكومية المُتغوِّلة مناقشة مقترح قانون تقدم به الفريق الاشتراكي-المعرضة الاتحادية، يتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، والمعروف شعبياً بقانون “من أين لك هذا؟”، لهو دليل قاطع على أنها تشجع على الفساد وتحمي المستفيدين منه من المتابعة القانونية. ويتذكر أجيال ما بعد الاستقلال هذا الموضوع الذي شاع كمبدأ حظي بالاهتمام في الإعلام الحزبي الوطني وفي الخطاب السياسي. وقد كان هذا المبدأ حاضرا في مسودات القانون الجنائي المغربي؛ مما يدل على وجود مساعٍ مستمرة لتجريمه واعتباره مؤشراً مباشراً على الفساد. لكن غياب الإرادة السياسية حال دون وضع حد لهذا النزيف.
ومما زاد الطين بلاً، هو لجوء الدولة إلى إحداث ما عرف في القاموس السياسي المغربي بـ”أحزاب الإدارة”، بهدف إضعاف الأحزاب الوطنية وتحجيم قوتها؛ وقد كان لهذا التوجه أثر كبير في اختلال التوازن السياسي في البلاد؛ ذلك أن الدولة، منذ سبعينيات القرن الماضي، جعلت من كل استحقاق انتخابي فرصة لخلق حزب جديد توفر له الإدارة الترابية كل أسباب النجاح بالتزوير المكشوف لتصدر المشهد الحزبي. وهذا ما حدث سنتي 1976 بمناسبة الانتخابات الجماعية و1977 بمناسبة الانتخابات التشريعية، حيث جعلت وزارة الداخلية من المستقلين قوة انتخابية وتمثيلية قبل أن تتحول إلى قوة سياسية تنافس الأحزاب الوطنية؛ ونفس الشيء حدث سنتي 1983 و1984. ولم يقف الأمر عند هذا التاريخ؛ بل استمر إلى مطلع الألفية الثالثة.
لذلك، لا نستغرب أن ترفض الأغلبية الحكومية الحالية مناقشة مقترح قانون يتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع. وكما يقول المثل العربي الشهير “من شب على شيء شاب عليه ومن شاب على شيء مات عليه”. ونحن نقول: “من نشأ على شيء شاب عليه”؛ بمعنى من نشأ على الفساد والإفساد، لن يحارب الفساد أبدا؛ بل يتستر عليه ويحميه. وللفساد أوجه متعددة؛ فهناك الفساد السياسي والفساد الأخلاقي والفساد المالي…
والمفسدون أصناف؛ فهناك من يغتنون من المال العام إما بالتلاعب في الصفقات العمومية وإما بخيانة الأمانة من خلال التلاعب في الميزانية التي توجد تحت تصرفهم؛ وهناك من يغتنون بالرشوة إما باستغلال النفوذ وإما بابتزاز المرتفقين في المرافق العمومية، الذين يضطرون للدفع من أجل الحصول على خدمة ما من قبيل وثيقة إدارية مهمة أو مصلحة معينة وما شابه ذلك.
وقد طرأ على المشهد الاقتصادي والسياسي المغربي، في ظل حكومة التغول، تطور مثير الفاعلون فيه هم “الفراقشية” و”الشناقة” الذين استفادوا مما تغده عليهم الحكومة من دعم من المال العام بدعوى مواجهة ارتفاع الأسعار بالنسبة للأضاحي مثلا خلال فترة عيد الأضحى والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين بعدما ارتفعت أسعار اللحوم بشكل صاروخي. لكن أثر ذلك الدعم لم يظهر إلا على”الفراقشية” و”الشناقة”؛ بينما المواطنون اشتروا أضحية العيد بضعف ما كانوا ينفقونه من قبل واستمرت موجة الغلاء التي أنهكت جيوب المواطنين؛ ومنهم بالأخص الطبقة المتوسطة والفئات الهشة التي أصبحت تتوسع وتتكاثر بسبب تآكل القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة.
وتجدر الإشارة إلى أن “الفراقشية” و”الشناقة” موجودون في أكثر من قطاع. فإلى جانب قطاع المواشي وكذا قطاع المحروقات، فهناك قطاع البناء الذي لا يستفيد من الدعم المقدم له إلا المنعشون العقاريون؛ ذلك أن الدعم الذي تقدمه الدولة للمواطنين من أجل الحصول على سكن يضمن الاستقرار للأسرة، يتحول إلى سراب في غياب المراقبة. وهكذا، فإن الشقة التي تباع، مثلا، للطبقة المتوسطة بثلاث مائة ألف درهم، فإنها تصبح، عندما يذهب المواطن لاقتنائها بعد حصوله على مبلغ الدعم، وقد يكون مائة ألف درهم، فإنه يفاجأ بأن ثمن الشقة هو أربع مائة ألف درهم وليس ثلاث مائة؛ مما يجعل ذاك الدعم الذي قدمته له الدولة، بدون أثر إيجابي عليه. فهو كان يعتقد بأنه سيؤدي فطق ماتي ألف درهم ليحصل على شقة محترمة؛ فإذا به يصطدم بجشع “الفراقشية” و”الشناقة” الذين يرفعون الأسعار دون مراعاة القدرة الشرائية للمواطنين. وقد يتحول حلم المواطن إلى صدمة قوية تتسبب له في أزمة نفسية حادة. وربما يكون هناك قطاعات أخرى لا نعرف شيئا عنها، لكن “الفراقشية” و”الشناقة” حاضرون لتصيد الفرص.
خلاصة القول، الفساد سرطان اقتصادي واجتماعي وسياسي ينخر العديد من المجتمعات. وبلادنا تعاني من هذا السرطان رغم ما فامت به الدولة من إجراءات احترازية لمواجهة هذا المرض العضال. ومن هذه الإجراءات إلزام المسؤولين المعينين والمنتخبين بالتصريح بالممتلكات؛ ومنها، أيضا، إحداث المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات. كل هذا يرمي إلى محاربة الفساد، وبالأخص الفساد المالي. لكن عنما ترفض الأغلبية الحكومية مجرد مناقشة مقترح قانون يتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، فإن ذلك يطرح أكثر من تساؤل. ومن حقنا أن نرى في ذلك تشجيعا واضحا وصريحا للفساد، وبالأخص المالي منه. كما يحق لنا أن نشكك في ذمة هذه الأغلبية وأن نشكك في إخلاصها وأن نتهمها بخيانة الأمانة الملقاة على عاتقها تجاه المواطنين الذين منحوا لها أصواتهم.
مكناس في 16 يوليوز 2026
