بين الإرادة الملكية لإرساء انتخابات نزيهة… وتحديات تجديد النخب السياسية بالمغرب

العرائش أنفو
بين الإرادة الملكية لإرساء انتخابات نزيهة… وتحديات تجديد النخب السياسية بالمغرب
بقلم : محمد اعبيدو
تشكل التعليمات السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، من أجل السهر على نزاهة الانتخابات التشريعية لسنة 2026، محطة وطنية بالغة الدلالة، ورسالة واضحة مفادها أن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم إلا على الشفافية، وسيادة القانون، وصيانة الإرادة الحرة للناخبات والناخبين، وأن صناديق الاقتراع ينبغي أن تكون التعبير الصادق عن إرادة الشعب، لا عن قوة النفوذ أو المصالح أو شبكات التأثير.
لقد أكد جلالة الملك، منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، أن بناء المغرب الحديث يمر عبر مؤسسات قوية، وممارسة سياسية مسؤولة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص بين جميع أبناء الوطن. ولذلك فإن الحرص الملكي على نزاهة الانتخابات ليس مجرد توجيه إداري، بل هو مشروع وطني وأخلاقي يروم ترسيخ الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة.
غير أن هذا الطموح الوطني الكبير يصطدم، في نظر عدد من المتابعين والفاعلين، بجملة من التحديات التي يعرفها المشهد السياسي، والتي تستحق نقاشًا وطنيًا هادئًا ومسؤولًا.
فمن أبرز هذه التحديات استمرار سعي عدد من الوجوه السياسية إلى العودة إلى البرلمان دورة بعد أخرى، بل إن بعضهم ينتقل من حزب إلى آخر دون أن يغير ذلك من حضوره في المشهد السياسي، مما يثير لدى شريحة من المواطنين تساؤلات حول مدى ارتباط التنافس بالبرامج والرؤى، أو بقدرة بعض الشخصيات على الحفاظ على مواقعها بغض النظر عن انتمائها الحزبي.
كما يلاحظ كثير من المهتمين أن بعض الأسر والعائلات السياسية أصبحت حاضرة بقوة في عدد من المؤسسات المنتخبة، حيث ينتقل الحضور السياسي من الآباء إلى الأبناء أو البنات أو المقربين. ورغم أن القانون لا يمنع أفراد العائلة الواحدة من الترشح إذا استوفوا الشروط القانونية، فإن هذا الواقع يثير نقاشًا مشروعًا حول كيفية توسيع فرص المشاركة أمام كفاءات جديدة من مختلف فئات المجتمع.
إن الديمقراطية تزداد قوة كلما اتسعت دائرة المشاركة، وكلما شعر المواطن بأن أبواب العمل السياسي مفتوحة أمام الجميع على أساس الكفاءة والنزاهة وخدمة الصالح العام، لا على أساس النفوذ أو الإمكانات أو الشهرة أو العلاقات.
ومن هنا تبرز أهمية مواصلة التفكير في تطوير المنظومة الانتخابية، وتبسيط بعض المساطر القانونية والإدارية المرتبطة بالترشح، حتى لا يشعر الشباب، والنساء، وأطر المجتمع المدني، والكفاءات المستقلة، بأن الطريق إلى المؤسسة التشريعية بالغ الصعوبة مقارنة بمن يملكون شبكات تنظيمية أو حضورًا سياسيًا راسخًا.
كما أن تعزيز تكافؤ الفرص يقتضي مواصلة محاربة كل الممارسات التي قد تؤثر في حرية الاختيار، مع ضمان منافسة عادلة بين جميع المرشحين، حتى يكون الاحتكام في النهاية إلى ثقة الناخبين وبرامج المرشحين.
إن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، قطع أشواطًا مهمة في ترسيخ المؤسسات الدستورية، غير أن تطوير الحياة السياسية يظل ورشًا متجددًا يحتاج إلى مساهمة الجميع: الدولة، والأحزاب، والمجتمع المدني، والإعلام، والمواطنين.
فالرهان الحقيقي ليس فقط تنظيم انتخابات سليمة من الناحية القانونية، وإنما بناء حياة سياسية متجددة تستقطب الكفاءات، وتشجع الشباب، وتفتح المجال أمام الطاقات الوطنية، وتجعل البرلمان مرآة حقيقية لتنوع المجتمع المغربي.
إن الرسالة الملكية واضحة: نزاهة الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لبناء مؤسسات قوية تحظى بثقة المواطنين. ويبقى الأمل أن تشكل الانتخابات التشريعية المقبلة محطة جديدة لتعزيز هذه الثقة، وأن يظل الاحتكام الأول والأخير لإرادة الناخب المغربي، في ظل احترام القانون، وتكافؤ الفرص، والمنافسة الشريفة، بما يخدم مصلحة الوطن ويعزز المسار الديمقراطي للمملكة.
