ads980-90 after header
الإشهار 1

أزمة الرسالة… عندما تتحول بعض الأحزاب والزوايا إلى مؤسسات موسمية

الإشهار 2

العرائش أنفو

أزمة الرسالة… عندما تتحول بعض الأحزاب والزوايا إلى مؤسسات موسمية

بقلم: محمد اعبيدو

في المجتمعات الحية، لا تُقاس قيمة المؤسسات بكثرة شعاراتها، ولا بحجم لافتاتها، ولا بعدد مقراتها، وإنما بمدى حضورها الدائم في حياة الناس، وبقدرتها على صناعة الوعي، وترسيخ القيم، وخدمة الوطن والمواطن في كل زمان، لا في مواسم محددة.

ولعل من أكثر الظواهر التي تستحق الوقوف عندها اليوم، تلك “الموسمية” التي أصابت بعض الفاعلين في الحياة العامة، سواء في المجال السياسي أو الديني، حتى أصبح حضورهم مرتبطاً بالمناسبات، وغيابهم هو القاعدة، وظهورهم هو الاستثناء.

لقد اعتاد الرأي العام أن يرى بعض الأحزاب السياسية تستيقظ فجأة مع اقتراب الانتخابات. تُفتح المقرات التي ظلت مغلقة لسنوات، وتُعلق اللافتات، وتُوزع الوعود، وتُلتقط الصور، وتُلقى الخطب، ثم ما إن تنتهي الانتخابات حتى يعود الصمت، وتُغلق الأبواب، ويختفي المسؤولون، وكأن العلاقة بالمواطن كانت مجرد محطة عابرة لا مشروعاً وطنياً دائماً.

إن الحزب السياسي ليس وكالة انتخابية، ولا مكتباً موسمياً، بل مدرسة للمواطنة، وفضاء للتأطير، ومختبر لإنتاج الأفكار، وجسر بين الدولة والمجتمع. وإذا غاب هذا الدور، فقد الحزب رسالته، وتحول إلى هيكل بلا روح، وإلى عنوان بلا مضمون.

والمؤسف أن هذه الموسمية لا تقتصر، في بعض الحالات، على المجال السياسي، بل تمتد أيضاً إلى بعض الزوايا والطرق الصوفية التي يفترض أن تكون منارات للتربية الروحية، ومؤسسات لبناء الإنسان، وترسيخ الأخلاق، وخدمة المجتمع.

فالزاوية الحقيقية، كما عرفها تاريخ المغرب، لم تكن مجرد مكان لإحياء المواسم والاحتفالات، وإنما كانت مدرسة للعلم، ومأوى للفقراء، ومنارة للذكر، وفضاءً للتربية على الصدق والإخلاص والمحبة، وحصناً للوطن والثوابت الدينية والوحدة الوطنية.

لقد لعبت الزوايا المغربية الأصيلة أدواراً تاريخية كبرى في مقاومة الاستعمار، ونشر العلم، وإصلاح المجتمع، وإغاثة المحتاجين، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال. وكانت أبوابها مفتوحة طوال العام، لا تميز بين غني وفقير، ولا بين قريب وبعيد.

غير أن الواقع يكشف، في بعض الحالات، عن نماذج فقدت هذا الامتداد الرسالي، وأصبحت لا تتحرك إلا مع المواسم الدينية أو المناسبات السنوية، بينما تغيب عن هموم الناس اليومية، وعن قضايا التربية والتكوين والإصلاح.

بل إن بعض هذه الفضاءات، في نظر كثير من المتابعين، أصبحت تكتفي بانتظار الهبات أو المساعدات أو المنح أو الإحسان لتوزيعها، دون أن يصاحب ذلك مشروع تربوي أو ثقافي أو اجتماعي مستدام، ودون برامج لصناعة الإنسان أو تأهيل الشباب أو نشر المعرفة الدينية الرصينة.

إن العمل الروحي لا يقاس بعدد الولائم، ولا بحجم الاحتفالات، ولا بعدد الصور المنشورة، وإنما يقاس بالأثر الذي يتركه في النفوس، وبقدرته على تهذيب السلوك، وإحياء الضمير، وبناء الإنسان الصالح.

إن الزاوية التي لا تُربي، ولا تُعلم، ولا تُخرج رجالاً ونساءً يحملون الأخلاق قبل الشعارات، تفقد تدريجياً مكانتها ورسالتها. والحزب الذي لا يؤطر المواطنين، ولا يدافع عن قضاياهم بين انتخابات وأخرى، يتحول إلى مجرد آلة انتخابية.

إن المجتمع المغربي اليوم لا يحتاج إلى مؤسسات موسمية، بل إلى مؤسسات حية، نابضة بالحركة، متواصلة مع المواطنين في كل الأيام، لا في أيام معدودة.

نحتاج إلى أحزاب تجعل من المواطن شريكاً دائماً، لا مجرد صوت انتخابي.

ونحتاج إلى زوايا تجعل من تزكية النفس مشروعاً يومياً، لا مناسبة سنوية.

ونحتاج إلى نخب تؤمن بأن خدمة الإنسان لا ترتبط بتقويم انتخابي ولا ببرنامج احتفالي، وإنما هي رسالة مستمرة، ومسؤولية أخلاقية، وأمانة وطنية.

إن أعظم المؤسسات هي تلك التي يبقى نورها مشتعلاً عندما تنطفئ الأضواء، ويبقى عطاؤها مستمراً عندما تنتهي المواسم، لأنها تؤمن أن الرسالة لا تعرف الإجازات، وأن خدمة الإنسان عبادة لا ترتبط بتاريخ ولا بمناسبة.

إن المغرب، وهو يواصل مسيرة الإصلاح والتنمية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في حاجة إلى أحزاب سياسية قوية تؤطر المواطنين وتنتج النخب، وإلى زوايا صوفية أصيلة تعيد الاعتبار للتربية الروحية والتزكية والأخلاق، وتساهم في تحصين المجتمع من التطرف والانحراف والفراغ القيمي.

فالرهان الحقيقي ليس في كثرة المؤسسات، بل في صدق رسالتها، وليس في عدد المقرات أو المواسم، بل في حجم الأثر الذي تتركه في الإنسان.

وعندما تتحول السياسة إلى خدمة دائمة، والتصوف إلى تربية مستمرة، يصبح الوطن أكثر قوة، ويصبح المجتمع أكثر تماسكاً، ويستعيد الإنسان ثقته في المؤسسات التي وجدت أصلاً لخدمته، لا لاستغلال المناسبات.

إن التاريخ لا يخلد من حضر في المواسم، وإنما يخلد من بقي حاضراً في وجدان الناس، وخدمهم بصمت وإخلاص، وجعل من رسالته طريقاً دائماً للإصلاح والبناء.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5