ads980-90 after header
الإشهار 1

مغاربة ونفتخر… وطنٌ يتسع للجميع ولا يعلو على أبنائه أحد

الإشهار 2

العرائش أنفو

مغاربة ونفتخر… وطنٌ يتسع للجميع ولا يعلو على أبنائه أحد

ليس المغرب مجرد رقعة جغرافية، بل هو حضارة ضاربة في عمق التاريخ، صاغتها قرون من التعايش، والتنوع، والتسامح، والتلاحم بين مكوناته الدينية والثقافية والإثنية. فمنذ فجر الدولة المغربية، ظل هذا الوطن أرضًا احتضنت المسلمين واليهود وغيرهم، وتفاعلت فيها الروافد العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، لتشكل جميعها هوية مغربية أصيلة، غنية ومتعددة، لكنها موحدة تحت راية الوطن والعرش.

إن قوة المغرب لم تكن يومًا في تشابه أبنائه، بل في قدرتهم على تحويل اختلافهم إلى مصدر قوة، وجعل التنوع ركيزة للوحدة الوطنية، وهو ما يمثل أحد أعظم عناصر الغنى الحضاري الذي نفتخر به أمام العالم.

ومن موقعي كمواطن مغربي، وبناءً على ما توارثته عائلتي وقبيلتي بني عروس من روايات ووثائق وأرشيف، أعتز بما يُروى عن ارتباط أجدادي بمحطات مشرقة من تاريخ المغرب، وبانتسابهم إلى شخصيات كان لها أثر في الدفاع عن الوطن وخدمة الدين والعلم والجهاد، من بينهم المولى إدريس، والقطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، وسيدي عبد الله المجاهد أحد أبطال معركة وادي المخازن، كما أعتز بما تتناقله الأسرة عن الشيخ منصور (جدى من الام) القادم من شنقيط، الذي شارك بدوره في تلك المعركة الخالدة. وهذه الروايات تمثل بالنسبة لي مصدر فخر ومسؤولية قبل أن تكون مجرد انتماء عائلي.

غير أن الفخر الحقيقي لا يكون بالأمجاد وحدها، بل بالوفاء لرسالتها. فالأجداد الذين ضحوا من أجل المغرب لم يدافعوا عن أرض ليحتكرها أحد، ولم يبذلوا دماءهم ليصبح الوطن ملكًا لفئة دون أخرى، وإنما من أجل أن يبقى المغرب وطنًا لجميع المغاربة، تسوده العدالة والكرامة والمساواة.

واليوم، يشعر كثير من المواطنين بمرارة وهم يرون ممارسات تزرع الإحساس بالإقصاء، عندما تتحول بعض المسؤوليات إلى امتيازات، ويُنظر إلى المؤسسات وكأنها ملكيات خاصة، أو تُدار بمنطق المصالح الضيقة، في حين يبقى المواطن البسيط يبحث عن حقه في الإنصاف والكرامة.

إن خدمة الوطن ليست تشريفًا، بل تكليف. والمسؤول الحقيقي هو من يعتبر نفسه خادمًا للمواطن، لا سيدًا عليه، وأمينًا على المال العام، لا مالكًا له. فالمناصب زائلة، أما الوطن فباقٍ، والتاريخ لا يخلد إلا من خدموا شعوبهم بإخلاص.

ومن حق المغاربة أن يتساءلوا: لماذا يشعر كثير منهم بأن الكفاءة الوطنية لا تجد دائمًا ما تستحقه من دعم واحتضان؟ ولماذا يردد الناس المثل الشعبي: “مطرب الحي لا يطرب”، تعبيرًا عن الإحساس بأن أبناء الوطن لا يحظون أحيانًا بالتقدير الذي يستحقونه؟

إن الانفتاح على العالم قيمة إيجابية، والتعاون مع الأجانب جزء من مسار التنمية، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب المواطن المغربي، ولا أن يؤدي إلى تهميش الكفاءات الوطنية. فالمغرب يبنى أولًا بأبنائه، ثم بشراكاته مع العالم.

إننا في حاجة إلى تجديد معنى الوطنية؛ وطنية تقوم على العمل، والنزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام الدستور، وخدمة المواطن، وصيانة كرامته، وترسيخ تكافؤ الفرص، حتى يشعر كل مغربي بأن وطنه يحتضنه ويمنحه المكانة التي يستحقها.

سيظل المغرب قويًا ما دام وفيًا لثوابته الجامعة: الدين الإسلامي الوسطي، وإمارة المؤمنين، والوحدة الوطنية والترابية، والملكية الدستورية، والتعدد الثقافي والحضاري، والعدالة بين جميع أبنائه.

ولن يكون مستقبل المغرب أكثر إشراقًا إلا عندما يدرك كل مسؤول أن المنصب أمانة، وأن الوطن ليس ضيعة خاصة، ولا إرثًا عائليًا، ولا مجالًا لتغليب المصالح الشخصية، بل هو أمانة في أعناق الجميع.

مغاربة ونفتخر…

نفتخر بتاريخنا، ونفتخر بتنوعنا، ونفتخر بأجدادنا الذين صنعوا المجد، لكننا نؤمن كذلك بأن أعظم وفاء لهم هو أن نبني مغربًا يتسع لجميع أبنائه، مغربًا لا يُقصى فيه أحد، ولا يُهمش فيه أحد، ولا يسمو فيه أحد فوق الوطن.

محمد أعبيدو

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5