تونس التي أحبها المغاربة… بين ألم الحاضر وأمل المستقبل

العرائش أنفو
تونس التي أحبها المغاربة… بين ألم الحاضر وأمل المستقبل
بقلم: محمد اعبيدو
لم تكن تونس، في وجدان المغاربة، مجرد بلد عربي يقع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، بل كانت وما تزال وطناً شقيقاً يجمعه بالمغرب تاريخ طويل من الأخوة، وروابط الحضارة، والتبادل الثقافي، والاعتدال، والانفتاح، والمحبة الصادقة بين الشعبين.
وحين يتابع المغاربة اليوم ما تعيشه تونس من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن احتجاجات شعبية تعكس حجم القلق الذي يعتري فئات واسعة من المجتمع، فإنهم لا ينظرون إليها بمنطق الشماتة أو الحسابات الضيقة، وإنما بعين الأخ الذي يتألم لما يصيب أخاه، ويتمنى له الأمن والاستقرار والازدهار.
لقد شهدت العاصمة تونس خروج آلاف المواطنين في مظاهرات تزامنت مع الذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليوز 2021، وهي احتجاجات جاءت في ظل ظروف معيشية صعبة، وارتفاع تكاليف الحياة، وانقطاعات متكررة للكهرباء والماء، وموجة حر غير مسبوقة أثرت على مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك القطاع الصحي.
وفي المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن الإجراءات التي اتخذتها جاءت لإنقاذ الدولة من حالة الانسداد السياسي ومحاربة الفساد، بينما ترى أطراف معارضة ومنظمات حقوقية أن البلاد تشهد تراجعاً في الحريات العامة واستقلال المؤسسات. وبين هذين التصورين يبقى المواطن التونسي هو المعني الأول بكل ما يجري، وهو الذي يدفع ثمن الأزمات المتراكمة.
إن تونس ليست مجرد دولة عربية عادية، بل هي بلد قدم للعالم تجربة سياسية استثنائية بعد ثورة 2011، وأثبت شعبها أنه شعب حي، مثقف، مسالم، يطمح إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. والشعب التونسي الذي عرفناه عبر التاريخ شعب كريم، مضياف، متشبث بقيم التعايش والاعتدال، ولم يكن يوماً عدواً لأي شعب عربي.
وأقول هذا من واقع تجربة شخصية، فقد سبق لي أن زرت تونس، وتجولت في مدنها، والتقيت بأبنائها، ولمست عن قرب كرمهم، ودفء استقبالهم، وأصالة أخلاقهم. ولذلك بقيت تونس بالنسبة إليّ ذكرى جميلة، وبلداً له مكانة خاصة في القلب.
غير أن علاقة المغاربة بتونس عرفت في السنوات الأخيرة لحظة صعبة، عندما استقبل الرئيس قيس سعيّد ممثل جبهة البوليساريو خلال قمة “تيكاد” سنة 2022، وهو القرار الذي اعتبره المغاربة مساساً بعلاقات الأخوة التاريخية بين البلدين، واستفزازاً لمشاعرهم، بالنظر إلى أن قضية الصحراء المغربية تمثل بالنسبة للمغاربة قضية وطنية جامعة لا تقبل المساومة.
لقد كانت تونس، لعقود طويلة، تحرص على انتهاج موقف متوازن من هذا الملف، وهو ما ساهم في الحفاظ على جسور الثقة بين الرباط وتونس. ولذلك فإن كثيراً من المغاربة كانوا يأملون استمرار ذلك النهج الذي يحفظ وحدة الصف المغاربي ويجنب المنطقة مزيداً من الانقسامات.
ومع ذلك، فإن الحكمة تقتضي التمييز بين المواقف السياسية للدول وبين العلاقات الأخوية بين الشعوب. فالمغاربة لا يحملون أي عداء للشعب التونسي، كما أن آلاف التونسيين الذين زاروا المغرب أو أقاموا فيه وجدوا دائماً الترحيب والمحبة، تماماً كما وجد المغاربة في تونس كل معاني الكرم والاحترام.
إن منطقة المغرب العربي تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة: أزمات اقتصادية، وارتفاع نسب البطالة، والهجرة، والتغيرات المناخية، والتوترات الإقليمية. وهي تحديات لا يمكن مواجهتها إلا بالحوار، والتكامل، واحترام سيادة الدول، وعدم تعميق الخلافات السياسية التي تستنزف طاقات شعوب المنطقة.
لقد آن الأوان لإحياء حلم الاتحاد المغاربي، ليس كشعار سياسي، بل كمشروع حضاري يخدم مصالح الشعوب، ويعيد بناء الثقة بين الدول، ويحول الحدود إلى فضاءات للتعاون بدل أن تكون خطوطاً للخلاف.
ويبقى الأمل قائماً في أن تستعيد تونس عافيتها، وأن تنجح في تجاوز أزماتها بالحوار الوطني، واحترام القانون، وصيانة الحقوق والحريات، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، بما يحفظ أمنها واستقرارها ووحدة مؤسساتها.
كما يبقى الأمل قائماً في أن تستعيد العلاقات المغربية التونسية دفئها التاريخي، لأن ما يجمع البلدين أكبر بكثير من أي خلاف سياسي عابر. فالتاريخ، والجغرافيا، والدين، والثقافة، وروابط الدم والمحبة، كلها عوامل تجعل من المغرب وتونس شقيقين لا غنى لأحدهما عن الآخر.
تحية إلى تونس الخضراء…
تحية إلى شعبها الأصيل…
تحية إلى كل تونسي يؤمن بأن مستقبل بلاده يُبنى بالحوار، والعمل، والوحدة، واحترام كرامة الإنسان.
ونسأل الله أن يحفظ تونس، كما يحفظ المغرب، وأن ينعم على شعوب أمتنا العربية بالأمن والاستقرار والسلام، وأن يجعل المستقبل أكثر إشراقاً وعدلاً وازدهاراً لجميع أبناء المغرب العربي.
