قيم ضريح مولانا عبد السلام بن مشيش… ضرورة قانونية وإدارية لحماية مرفق ديني وروحي وطني

العرائش أنفو
قيم ضريح مولانا عبد السلام بن مشيش… ضرورة قانونية وإدارية لحماية مرفق ديني وروحي وطني
بقلم : محمد اعبيدو
ليست الأضرحة الكبرى في المغرب مجرد فضاءات للزيارة أو معالم تاريخية تحفظ ذاكرة الماضي، بل هي مؤسسات روحية ودينية تؤدي رسالة سامية في ترسيخ الأمن الروحي للمملكة، وصيانة المرجعية الدينية المغربية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال والتزكية التي جعلت من المغرب عبر القرون منارة للإسلام السمح والتصوف السني الأصيل.
ويأتي ضريح القطب الرباني، مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، في مقدمة هذه المعالم الروحية التي تجاوز إشعاعها حدود الوطن، ليصبح قبلة لآلاف الزوار والباحثين والمريدين من مختلف جهات المملكة ومن خارجها، باعتباره أحد أعلام التربية الروحية، وشيخ الإمام أبي الحسن الشاذلي، وأحد أعمدة المدرسة الصوفية المغربية التي أسهمت في بناء الإنسان قبل العمران، وفي نشر قيم المحبة والسلام والتسامح.
ومن هنا، فإن المحافظة على هذا المقام الشريف لا تقتصر على صيانة بنائه أو استقبال زواره، بل تبدأ بتوفير إطار قانوني وإداري واضح يضمن حسن تدبيره، ويحفظ هيبته، ويحدد المسؤوليات المرتبطة بتسييره.
لقد أصبح تعيين قيم رسمي على ضريح مولانا عبد السلام بن مشيش ضرورة قانونية وإدارية وروحية، وليس مجرد إجراء إداري عادي، لأن وجود قيم معين من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية يسد فراغاً قانونياً وإدارياً قائماً، ويمنح الضريح مخاطباً رسمياً يمثل المؤسسة أمام مختلف الإدارات والسلطات، ويتولى تدبير شؤونه وفق القوانين المنظمة للمرافق الدينية بالمملكة.
فالقيم ليس مجرد حارس لمكان، وإنما هو موظف تابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يحمل مسؤولية شرعية وإدارية وأخلاقية، ويسهر على المحافظة على حرمة الضريح، وحسن استقبال زواره، والعناية بمرافقه، والتنسيق مع مختلف المؤسسات، بما يضمن استمرارية أداء هذا الفضاء الديني لرسالته النبيلة.
ولأن خصوصية ضريح مولانا عبد السلام بن مشيش ترتبط بتاريخ الأسرة المشيشية، وبالرمزية الروحية التي يمثلها في وجدان المغاربة، فإن من الطبيعي أن تعطى الأولوية لأبناء المنطقة، ومن سلالة القطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، متى توفرت فيهم شروط الكفاءة والاستقامة والأهلية.
غير أن الانتماء وحده لا يكفي، بل ينبغي أن يقترن بجملة من المؤهلات العلمية والأخلاقية والروحية، في مقدمتها أن يكون المرشح حافظاً لكتاب الله تعالى، متشبعاً بقيم الإسلام السمحة، ملماً بالتصوف السني المغربي، مدركاً لتاريخ الضريح ومكانته، قادراً على مخاطبة الزوار والباحثين، ومتحلياً بالحكمة والوقار وحسن الخلق.
فالمقام الذي يحتضن جسد أحد كبار أولياء الله لا يليق به إلا من يجمع بين شرف النسب، وشرف العلم، وشرف الأخلاق، وشرف الخدمة.
إن تعيين قيم بهذه المواصفات لا يخدم شخصاً بعينه، وإنما يخدم مؤسسة دينية عريقة، ويحفظ استقرارها، ويضمن استمرارية رسالتها، ويعزز الثقة في تدبيرها، ويكرس النموذج المغربي في رعاية المزارات والأضرحة تحت الإشراف المباشر لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وفي ظل الرعاية السامية لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
إن حماية الذاكرة الروحية للمغرب ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية، غير أن الدولة، من خلال وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تظل الضامن الأول لحسن تدبير هذه المؤسسات، وترسيخ الحكامة فيها، وتحصينها من كل فراغ إداري أو قانوني قد يؤثر في أداء رسالتها.
ومن هذا المنطلق، فإن الإسراع بتعيين قيم رسمي على ضريح القطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه يمثل خطوة ضرورية لترسيخ الأمن الروحي، وتعزيز الحكامة الدينية، وصيانة هذا الصرح المبارك، بما ينسجم مع الرؤية المتبصرة للمملكة المغربية في حماية تراثها الديني والروحي.
فالأوطان التي تصون ذاكرتها الروحية، وتحسن تدبير مؤسساتها الدينية، إنما تصون هويتها، وتحفظ وحدتها، وتورث للأجيال القادمة إرثاً من العلم والإيمان والمحبة، يظل شاهداً على عراقة المغرب، وعمق حضارته، ووفائه لرجاله الصالحين الذين أناروا دروب السالكين، وغرسوا في النفوس معاني الإخلاص لله، ومحبة الوطن، وخدمة الإنسان.
