قراءة نقدية في “صمت الجمعيات” تجاه أزمة سبتة: هل استُهلكت ورقة “الحفاظ على الهوية”؟

العرائش أنفو
قراءة نقدية في “صمت الجمعيات” تجاه أزمة سبتة: هل استُهلكت ورقة “الحفاظ على الهوية”؟
امين أحرشيون
من موقعنا كمتابعين دائمين وفاعلين في الحقل الجمعوي الديني والثقافي، والذين لطالما كانت لدينا وجهة نظر واضحة ومبدئية، نجد أنفسنا اليوم أمام ضرورة تقديم قراءة تحليلية نقدية وصريحة للأحداث الأخيرة. إن الأزمة الدبلوماسية والسياسية الواقعة بين المملكة الإسبانية والمملكة المغربية، وتحديداً ما عُرف بقضية التدفق الجماعي لأكثر من 60000 مهاجر إلى مدينة سبتة المحتلة، قد كشفت عورات كثيرة في المشهد الجمعوي المغربي في الجارة الشمالية.
في خضم هذه الأزمة غير المسبوقة، والتي هزت الرأي العام الدولي، يبرز تساؤل حارق وجوهري: أين هي تلك الجمعيات والمؤسسات التابعة للمغرب، أو تلك التي ترفع شعارات “الدفاع عن المهاجر المغربي” و”الحفاظ على هويته وتقاليده”؟ إننا نشهد “صمتاً مطبقاً” وغياباً تاماً لأي بيان استنكاري، أو تحرك ميداني، أو حتى مبادرة إنسانية ملموسة تعكس الشعارات البراقة التي طالما رُددت.
نعلم جميعاً، وبناءً على معطيات واقعية، أن بعض هذه الجهات كانت تلعب أدواراً محورية ومهمة في المشهد السياسي والاجتماعي الإسباني، مستفيدة من قُرب قياداتها أو تأثيرها على بعض الأحزاب السياسية الإسبانية، وتحديداً في إقليم كتالونيا الذي يشهد كثافة مغربية. هذا النفوذ الذي كان يُفترض أن يُسخر لخدمة قضايا “الجالية” تحول، في لحظات الحسم، إلى غياب كامل للمبادرة.
لقد رأينا كيف سارعت بعض هذه الجمعيات إلى التحرك وإصدار البيانات في قضايا سابقة، مثل أحداث “كوريباشيكو” أو تنظيم وقفات ضد “الجمعيات التابعة لجبهة البوليزاريو” (والتي، في نظري الشخصي، لا تختلف كثيراً عن غيرها، فغالبيتها جمعيات نفعية هدفها مادي لا أقل ولا أكثر). لكن اليوم، وأمام مأساة “الجنسية المغربية”، لم نشهد نفس الحماس أو التعبئة.
إن “غياب الموقف” لا يقتصر فقط على الجانب المؤسساتي، بل يمتد إلى بعض المسؤولين والفاعلين من أصول مغربية في الساحة الإسبانية. فلم نسمع كلمة تعزية واحدة صادرة عن هؤلاء لضحايا “قوارب الموت” ولأولئك الذين قضوا في البحار وهم يحاولون العبور بحثاً عن أمل زائف. كما لم نسمع أي تصريح متوازن أو مسؤول يوجه نقداً أو حتى اقتراحاً سواء للحكومة المغربية أو للحكومة الإسبانية تجاه إدارة هذه الأزمة الإنسانية.
هذا “الغياب” الممنهج يعيدنا إلى التأكيد على حقيقة مُرة: إن الغالبية العظمى من هذه الكيانات والمسؤولين يستغلون اسم “المهاجر المغربي” وقضاياه النبيلة لأغراض سياسية بحتة. فالمهاجر، في نظر هؤلاء، ليس سوى ورقة ضغط أو صوت انتخابي، يتم تفعيله عند الحاجة لتحقيق مكاسب سياسية شخصية أو حزبية، سرعان ما تتحول، بطريقة أو بأخرى، إلى مكاسب وامتيازات اقتصادية ومالية.
إن أزمة سبتة قد كشفت عن “الإفلاس الأخلاقي” لهذا النمط من العمل الجمعوي المصلحي، الذي يعتاش على معاناة المهاجر بينما يتخلى عنه في ذروة الأزمات. إنها دعوة صادقة لمراجعة جذرية لكيفية تمثيل الجالية المغربية وتفعيل دورها الحقيقي، بعيداً عن الاستغلال السياسي والنفعية الاقتصادية.
