من الموهبة إلى الرؤية الإخراجية المسرحية.. محمد أفقير ومسار فنان يتشكل فوق الخشبة

العرائش أنفو
من الموهبة إلى الرؤية الإخراجية المسرحية.. محمد أفقير ومسار فنان يتشكل فوق الخشبة
الحسيمة – في المسرح، لا تكفي الموهبة وحدها لصناعة فنان قادر على ترك بصمته؛ فالموهبة تحتاج إلى تجربة، والتجربة تحتاج إلى تراكم، أما الوصول إلى الرؤية الإخراجية فيتطلب وعياً خاصاً بعناصر العرض وبالعلاقة بين الممثل والفضاء والجمهور. ومن هذا المسار المتدرج يبرز اسم الفنان محمد أفقير، خريجي المعهد العالي والتنسيط الثقافي بالمغرب ، الذي استطاع أن يجعل من الخشبة مجالاً لاختبار قدراته، متنقلاً بين التشخيص والمساهمة في بناء العرض والرؤية المسرحية.
ينتمي محمد أفقير إلى جيل من الفنانين المنخرطين في الدينامية المسرحية بالحسيمة، وهي مدينة راكمت خلال السنوات الماضية تجربة مهمة في المسرح الأمازيغي والوطني. وفي هذا السياق، لم يأت حضور أفقير من فراغ، بل تشكل من خلال الاحتكاك المستمر بالفرق المسرحية والمهرجانات والتجارب الفنية المتنوعة.
كان التشخيص بالنسبة إلى محمد أفقير أكثر من مجرد أداء لشخصية مكتوبة في النص. فالممثل، في التجربة المسرحية، هو أول من يختبر الشخصية بجسده وصوته وانفعالاته، وهو الذي يكتشف المسافة بين ما يقوله النص وما يمكن أن تمنحه الخشبة من دلالات.
وقد ظهر أفقير ضمن عدد من التجارب المسرحية، من بينها العمل المتوج «إشاوشان»، الذي شارك فيه إلى جانب مجموعة من الفنانين، والذي حصل على الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية في صنف المسرح سنة 2024. كما شارك العمل في الدورة الثالثة والعشرين للمهرجان الوطني للمسرح بتطوان، حيث حاز جوائز في السينوغرافيا والأمل، مع ترشيحات في الإخراج والتشخيص.
وفي تجربة أخرى، بصم المخرج الساب محمد أفقير في مسرحية «الرابوز» لفرقة أوراس للمسرح الأمازيغي بالحسيمة، إلى جانب شيماء العلاوي وسليمان أكلطي، في عمل من تأليف المسكيني الصغير وإخراج عزيز أبلاغ. وقد شارك العرض في فعاليات مسرحية بالمغرب، من بينها عرضه بالناظور سنة 2025.
هذه التجارب تمنح الفنان فرصة أساسية لفهم المسرح من الداخل: كيف تتحرك الشخصية؟ كيف يبنى الإيقاع؟ كيف يتفاعل الممثل مع زملائه؟ وكيف يتحول الفضاء الفارغ إلى عالم مليء بالدلالات؟
اما الانتقال من التمثيل إلى الإخراج ليس انتقالاً بسيطاً من موقع إلى آخر، بل هو تغيير في زاوية النظر. فالممثل يرى العرض من داخل الشخصية، بينما يبدأ المخرج في رؤيته باعتباره تركيباً متكاملاً…
وفي مسار محمد أفقير، تبدو هذه الرغبة في توسيع مجال الاشتغال الفني واضحة من خلال انخراطه في تجارب تجاوز فيها حدود التشخيص نحو المساهمة في بناء الصورة المسرحية. ففي إحدى التجارب المسرحية بالحسيمة، ارتبط اسمه بالسينوغرافيا، بما يعكس اهتماماً بالعناصر البصرية والفضاء الركحي، وليس فقط بالأداء أمام الجمهور.
وهنا تبرز قيمة التجربة؛ فالفنان الذي يقترب من السينوغرافيا والإضاءة والحركة والإيقاع، يصبح أكثر قدرة على النظر إلى العرض باعتباره وحدة فنية متكاملة، تتفاعل فيها الكلمة مع الجسد والضوء والفضاء والصوت… الخ.
يعود حضور محمد أفقير ابن المعهد العالي والنتشيط الثقافي كمخرج إلى تجربة «لاكاب» مع فرقة مواهب الريف للثقافة والفنون بالحسيمة، وهي المسرحية التي شاركت في الدورة الرابعة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، ضمن الأعمال المتنافسة على الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية في صنف المسرح.
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من كونها تكشف عن انتقال الفنان من مساحة التشخيص إلى مساحة صناعة الرؤية. فالإخراج يضع الفنان أمام أسئلة مختلفة: ماذا يريد أن يقول العرض؟ كيف يريد أن يراه الجمهور؟ وما اللغة المسرحية التي يمكن أن تحمل الفكرة دون الوقوع في المباشرة؟.
ومن هنا، فإن تجربة أفقير يمكن قراءتها باعتبارها رحلة بحث عن أدواته الخاصة، لا مجرد انتقال مهني من التمثيل إلى الإخراج.
يأتي اشتغال محمد أفقير داخل سياق أوسع يتمثل في الحركية التي يعرفها المسرح الأمازيغي بالحسيمة الريف خاصة والمغرب عامة. وقد راكمت فرق المنطقة تجارب متعددة جعلت من المسرح وسيلة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع والذاكرة والهوية…
محمد أفقير، بهذا المعنى، لا يبدو معنياً بالإخراج باعتباره سلطة على الخشبة، وإنما باعتباره مسؤولية عن خلق الانسجام بين مكونات العرض. فالمخرج لا يصنع العرض وحده، بل يقود عملية جماعية تتداخل فيها طاقات الممثلين والسينوغرافيين والتقنيين والموسيقيين وكل العاملين خلف الستار.
وتكشف مشاركاته المتعددة في عروض مختلفة أن تجربته تتطور عبر الاحتكاك بأجيال وتجارب وأسماء متنوعة في المسرح المغربي. فقد ظهر كذلك ضمن طاقم مسرحية «رحلة حديدان»، إلى جانب أسماء أخرى، في عرض اعتمد على فريق متكامل من حيث الإعداد والإخراج والسينوغرافيا والتمثيل.
إن الحديث عن محمد أفقير ليس حديثاً عن ممثل أو مخرج فحسب، بل عن فنان يبدو أن مساره يتجه نحو بناء مشروع مسرحي تتكامل فيه الخبرة الأدائية مع الوعي الإخراجي.
فالخشبة التي دخلها بوصفه ممثلاً أصبحت بالنسبة إليه فضاءً للتفكير في العرض ككل. والشخصية التي كان يجسدها أمام الجمهور أصبحت مدخلاً لفهم أعمق لبناء الشخصية وتوجيه الممثل وصناعة الإيقاع.
ومن هنا يمكن القول إن المسافة بين الموهبة والرؤية الإخراجية في تجربة محمد أفقير ليست قفزة مفاجئة، وإنما رحلة متدرجة، ممثل يتعلم من الخشبة، وفنان يكتشف إمكانات الصورة المسرحية، ومبدع يبحث عن موقعه الخاص داخل المشهد المسرحي.
وفي زمن يحتاج فيه المسرح المغربي إلى أسماء شابة تراهن على التكوين والتجربة والاستمرارية، تبدو تجربة محمد أفقير جديرة بالمتابعة، ليس فقط بالنظر إلى ما أنجزه، وإنما أيضاً لما يمكن أن يقدمه مستقبلاً، حين تتحول التجربة المتراكمة إلى رؤية إخراجية أكثر نضجاً ووضوحاً.
فالمسرح، في نهاية المطاف، لا يصنع الفنان في لحظة واحدة؛ إنه يبني عرضاً بعد عرض، وشخصية بعد شخصية، إلى أن يصبح المبدع قادراً على الانتقال من مجرد الوقوف فوق الخشبة إلى صناعة الخشبة نفسها.
