سيرة الأشياء / عن نغمتي

العرائش أنفو
سيرة الأشياء / عن نغمتي
هذه قصيدة جديدة للشاعرة
سميرة خمال/ 10 غشت 2026

لكل شعبٍ
طريقته في أن يحفظ ذاكرته.
منهم من يكتبها،
ومنهم من ينقشها،
ومنهم من يتركها
تمشي بين الناس
في هيئة نغمة.
ربما لهذا
لم تكن الموسيقى
أول ما تعلّمتُه،
بل أول ما
تعلّمتُ الإصغاء إليه.
في عيوط قبائل الشاوية،
كانت الحكايات
تولد من الحناجر،
وتنتقل من صوتٍ إلى آخر،
وكأن الذاكرة
وجدت لنفسها طريقًا
لا يحتاج إلى الورق.
ومع مرور الأيام،
أخذتني النغمة
من الإصغاء إليها
إلى تعلّم لغتها.
فوجدتُني ذات يوم
أمام خمسة أسطر،
أكتشف أن ما كان
يسكن أذني
يمكن أن يُكتب أيضًا.
مفاتيح،
وموازين،
وسكتات،
وعلامات صغيرة
بدت لي، أول الأمر،
أقرب إلى رموز الرياضيات.
هناك أدركتُ
أن الموسيقى
ليست ابنة الإحساس وحده.
إنها أيضًا
حسابٌ للزمن،
وانضباطٌ للإيقاع،
وصمتٌ له مقداره،
ونغمةٌ تعرف
متى تبدأ،
ومتى تترك للصمت
أن يُكملها.
ومضت أعوامٌ
وأنا أتعلم لغة الصولفيج،
وأترك أصابعي
تتعرّف إلى البيانو
مفتاحًا بعد مفتاح،
حتى أخذني الفضول، ذات يوم،
إلى أوتار القانون،
فوجدتُ للنغمة
لهجةً أخرى.
كان الدييز
يرفع النغمة نصف درجة،
والبيمول يخفضها،
والبيكار يعيدها
إلى صوتها الأول.
ولم تكن تلك
مجرد علامات؛
فقد تعلّمتُ منها
أن النغمة نفسها
قد يتغيّر وقعها
بحسب ما يسبقها
وما يأتي بعدها.
وربما الأشياء كذلك…
لا يكفي أن نعرفها وحدها،
بل أن نعرف
السياق الذي يمنحها
معناها.
ثم جاءت المقامات العربية،
لتخبرني
أن المسافة بين نغمتين
قد تتسع أيضًا
لربع صوت؛
مساحةٌ صغيرة
في السُّلَّم،
واسعةٌ في الثقافة،
تقول بها النغمة
شيئًا من المكان،
وشيئًا من الذاكرة،
وشيئًا من الناس
الذين صنعوها.
ومع السنوات،
تغيّرت أسئلتي.
لم أعد أسأل فقط:
كيف تُعزف الموسيقى؟
صرتُ أسأل:
من يغني؟
ومتى يغني؟
ولمن؟
وماذا تحتفظ الجماعة
في أصواتها
حين تغني؟
فلم تعد العيطة
مجرد فنٍّ أستمع إليه،
بل ذاكرةً
تتحرك بين الأجيال.
ولم تعد الأغنية الأمازيغية
بعيدةً عني
لأنني لا أفهم
كل كلماتها.
كنتُ ألتقط تيارها،
وأفهم حزنًا فيها،
أو فرحًا،
أو نداءً،
قبل أن أعرف
ماذا قالت الكلمات.
فعرفتُ
أن المعنى
لا يسكن اللغة وحدها.
وأن الاقتراب من الآخر
لا يبدأ دائمًا
بأن نفهم لغته…
أحيانًا،
يكفي أن نُحسن
الإصغاء.
وللموسيقى
علاقتها الغريبة
بالزمن.
فالنغمة،
ما إن تولد،
حتى تبدأ في الغياب.
تمرّ…
ولا نستطيع
أن نمسك بها.
ومع ذلك،
قد تعود بعد أعوام
فتحمل معها
زمنًا كاملًا.
يكفي أن تعود
نغمةٌ قديمة،
حتى يعود معها
مكانٌ ظننته بعيدًا،
ووجهٌ غاب،
ولحظةٌ حسبتُ
أن الزمن أخذها معه.
كأن الذاكرة أحيانًا
لا تحتاج إلى صورة…
يكفيها لحن.
وبعض النغمات
تفعل العكس.
لا تعيدني
إلى مكانٍ عرفته،
بل تأخذني
إلى مكان
لم أزره قط.
فأتساءل:
هل الموسيقى
توقظ الذاكرة فقط،
أم تمنح الخيال
ذاكرةً أخرى؟
ثم حملتُ
دفتر الميدان.
وهناك…
اكتشفتُ أن سنوات الموسيقى
لم تبقَ
خلف باب المعهد.
كانت ترافقني
بصمت.
فالنغمة
لا تمر بالأذن وحدها.
قد تصل إلى القدم
قبل أن يفهمها العقل،
وإلى الجسد
قبل أن تجد الكلمات
اسمًا لها.
وفي العمل الإثنوغرافي،
صرتُ ألاحظ
الإيقاع في الحركة،
والتكرار في الأصوات،
وتعاقب الأنفاس،
والصمت الذي يفصل
بين لحظةٍ وأخرى.
لم تكن الموسيقى
موضوع بحثي.
لكنها كانت، أحيانًا،
مفتاحًا صغيرًا
لفهم ما أراه.
وهناك خطر لي:
لعل سنوات الصولفيج
كانت تعلّمني،
دون أن أدري،
كيف أقرأ الميدان،
قبل أن أتعلم
كيف أكتب عنه.
ثم واصلتُ الإصغاء…
بين عيوط قبائل الشاوية،
وأهازيج الأطلس،
وأنغام الأندلس،
والسمفونيات
التي عبرت القارات.
لم أكن أبحث
عن أجمل موسيقى.
ولا عن أكثرها
شبهًا بي.
كنتُ أبحث
عن الإنسان
وهو يروي نفسه
بالنغم.
في الشاوية
سمعتُ الذاكرة.
وفي الأطلس
سمعتُ الأرض
وهي تدخل في الصوت.
وفي الأندلس
سمعتُ تاريخًا
اختار أن يبقى
في مقام.
وفي السمفونية
وجدتُ شيئًا آخر:
عشرات الآلات،
وأصواتٌ مختلفة،
لكل واحدة منها
مكانها،
وزمنها،
وسكتتها.
لا تحاول آلةٌ
أن تصبح أخرى،
ولا يحتاج الاختلاف
إلى أن يختفي
كي يحدث الانسجام.
وفي النهاية…
لا ينتصر صوتٌ
على آخر.
بل ينتصر اللحن.
لهذا،
كلما سألني أحدهم
عن الموسيقى،
لا أقول
إنها هواية،
ولا أقول
إنها مجرد دراسة.
ربما هي شيءٌ
بين الاثنين،
وأبعد منهما.
شيءٌ علّمني
أن أقرأ النوتة،
ثم علّمني
أن أقرأ الصمت.
أن أسمع الذاكرة
حين تختبئ في لحن،
وأن أقترب من الآخر
حتى حين
لا أفهم كلماته،
وأن أبحث،
خلف كل إيقاع،
عن الإنسان.
فبعض السير
تُكتب بالحبر…
وبعضها
تُروى بالنغم.
