ads980-90 after header
الإشهار 1

درب السلطان… Mon Amour

الإشهار 2

العرائش أنفو

درب السلطان… Mon Amour

بقلم الشاعر والسيناريست: سعيد ودغيري حسني

منذ الستينات وأنا كنمشي فدرب السلطان… وما كنتش عارف،أنني ما كنتش غير كنمشي فالزنقة…كنت كنمشي فالعمر، زنقة ورا زنقة، باب ورا باب، وجه ورا وجه، وصوت ورا صوت… حتى ولات الحومة،كتاباً مفتوحاً، وأنا واحد الطفل كيقرا أولى صفحاتو، وما عارفش أن آخر الصفحة غادي يكون هو الحنين.

درب السلطان…يا أول مكان،علّمني أن للمدن أرواحاً، وأن للزنقة ذاكرة، وأن الحجر إلى سكناتو أقدام الناس
كيولي كيحفظ خطاويهم، كنت صغير… وكان الدرب كبيراً، بحال الدنيا كلها، كانت المسافة بين باب الدار، وباب الحومة، هي حدود العالم،وكانت الزنقة،ملعبنا،ومدرستنا، ومسرحنا،وسينمانا المفتوحة على السماء.
كنا نخرجو للشارع،فتخرج معنا الفرحة نجانكليو… نجريو…نتشابكو…نتخاصمو…نتصالحو…ونرجعو نلعبو
بحال إلى الصداقة،كانت قانوناً مكتوباً،فقلوب الأطفال، وكانت الجليدة…آه يا الجليدة…شي لعبة صغيرة،
مصنوعة من البنوات الكاوتشو،ولكنها كانت فعيوننا،أغلى من كنوز الدنيا،كنا كنشوفو فيها،ما لا يراه الكبار،
كنا كنشوفو فيها،الفرح حين يكون صغيراً،ولكن لا حدود له،وكانت الكرة،هي الأخرى كتعرف الطريق،نركلوها
فتجري نجريو وراها فتجري بينا الأيام،حتى يجي واحد الصوت من الشرجم…صوت ما كانش محتاج ميكروفون ولا مكبرات الصوت…صوت واحد كان كافي باش يسكت الدرب:آ لولــــــــــد! وفجأة… تسكت الكرة
يتوقف الجري تتوقف البطولة، ويعلن الحكم الوحيد نهاية المباراة، الأم لا احتجاج لا استئناف لا VAR
حتى إلا كان الـVAR موجود فداك الزمن،كان غادي يرجع اللقطة ويقول:القرار صحيح، الأم كانت
حكماً، ومدرباً، ورئيس جامعة، ومحكمة استئناف، وكان القرار دائماً واحداً: الدار دابا وكنا كنرجعو… ولكن ما كناش عارفين أن أجمل ما في اللعب هو داك الصوت اللي كان كينادينا للدار، لأن بعض الأصوات ما كتخرجش من الذاكرة حتى ملي كيسكت أصحابها،ومن الزنقة، كانت كتفتح قدامنا جغرافية أخرى للحلم.

لارميطاج…مجرد الاسم كان كافياً باش يتبدل المشهد. وكان تيران لاجونيس، شي حاجة أخرى…كل سبت وحد،كانت البطولة العمالية، كتلبس المدينة لباس الفرجة الناس كيجيو… التيران كيعمر… والكرة كتدخل للمشهد، والصوت كيطلع بحال موجة كبيرة كتضرب فحيطان المدينة، وكان الهدف ماشي غير هدف لاعب،
كان هدف الحومة، وكان اللاعب ماشي غير لاعب كان واحداً منا، ومن وسط داك العالم دخلات أسماء للذاكرة، وما خرجاتش منها: الحاج العربي بن مبارك الله يرحمو… Père Jigo…إبراهيم طاطوم…بكار…
بيتشو…عليوات ، حمان،كنا صغار…ولكن كنا كنحسو أننا قدام شيء أكبر من الكرة،كنا كنشوفو الكرة
وهي كتتحول إلى شعر.والملعب وهو كيتحول إلى مسرح.واللاعب وهو كيتحول إلى بطل والجمهور
كيتحول إلى كورال كبير،يغني من حناجر كثيرة،حكاية واحدة: حكاية المدينة، ومن الملعب كانت السينما كتفتح لينا باباً آخر،كنا ندخلو أطفالاً…ونخرجو أبطالاً، الشاشة كانت كبيرة، ولكن خيالنا كان أكبر،كانت السينما نافذة على عالم ما كانتش رجلينا قادرة توصل ليه، ولكن أحلامنا كانت كتجري إليه، كنا نجلسو فالظلام وتبدأ الحكاية،فتشعل الشاشة ويطفأ الواقع. ونعيشو حياة أخرى، قبل ما نرجعو نكمّلو حياتنا. وكانت قيسارية الحفارى مدينة داخل المدينة،حركة… أصوات…حوانت…وجوه…روائح…ألوان…وحكايات كثيرة
ما كان حتى واحد عارف بدايتها ولا نهايتها،كل واحد كان كيدوزبحكاية مخبية فوجهه، وكل وجه
كان يصلح يكون شخصية فسيناريو.

وكانت دار الشباب بوشنتوف…آه يا بوشنتوف…هنا بالضبط بدات الحكاية تاخذ شكلاً آخر، هنا تعلمت المسرح.هنا طلعت الخشبة الأولى قدامي، بحال باب كيتحل على عالم ما عندوش حدود، هنا تعلمت
أن الخشبة ماشي غير خشب الله يرحم ثريا جبران ،وعبد العظيم الشناوى ، كانوا مشجعين و موجهين فبوشنتوف، بالنسبة لينا، وأن الضوء،ماشي غير ضوء،وأن الصمت حتى هو حوار،وأن النظرة يمكن تكون جملة، وأن الإنسان يقدر يعيش أكثر من حياة،يلبس شخصية، يحمل صوت إنسان آخر، يبكي بدموع شخصية أخرى، ويضحك بفرح ماشي ديالو، ومن هنا، بدا الطفل اللي كان كيتفرج فالحكايات، كيبغي يصنع الحكاية، وبدا الشاعر كيقلب على الكلمة، وبدا السيناريست، كيقلب على المشهد، وربما من هنا بالضبط
زرع درب السلطان فيا، ذلك العشق اللي ما فارقنيش:عشق الحكاية، عشق الصورة ،عشق المسرح،
وعشق الإنسان،ملي كيولي حكاية.

وكانت قهوة الجزائر… ما كانتش غير قهوة، كانت نافذة أخرى، وكان صوت أم كلثوم، كيخرج من المقهى، ويدخل للزنقة، بحال نهر من الطرب،كان كوكب الشرق،كيهبط من السماء، ويجلس وسط درب السلطان،
تغني…والحومة تسمع،وفي ساحة السراغنة،كانت الحياة كتضرب على إيقاعها، القواسم…مقهى الفداء…
دمشق…أسماء ماشي غير أمكنة،كانت فصولاً من الذاكرة،وكانت الأغاني،كتسافر من قهوة لقهوة، ومن نافذة لنافذة،حتى كأن الحومة كلها، كانت عندها روح واحدة،وراديو واحد، وقلب واحد، وفي الجردة، كانو الرجال كيلعبو الضاما،الحجرة فوق الحجرة، الحساب فوق الحساب،والضحكة فوق الضحكة، وكان الوقت كيدوز،بلا ما يحس به حد.

وكان الماء…الماء كان عندو حكاية، اليوم كيجينا الماء،من الروبيني بحال إلى كان دائماً هنا، ولكن فداك الزمن، كان للماء طريق، وكان الطريق كيجي للدار، مالين الكرارص،كيدورو فالزنقة، كيعمروا من عوينة الصابون،ولا من ساحة السراغنة، والكروصة، كتجر وراءها،صوت النهار، وكانت حتى كروصة جافيل،كتدوز بين الأزقة،كتجرها العودان،كنت كنشوفها بعين الطفل،وكأنها عربة خارجة من فيلم أبيض وأسود، وقيل…إن أصل العودان إيرلندي،ما نعرفش يمكن ويمكن الذاكرة بدلات الجنسية ديال الحكاية، لأن الذاكرة
ما كتبحثش دائماً عن الوثيقة، الذاكرة كتبحث عن الأثر، واللي بقى فيا ماشي واش كانت إيرلندية ولا من شي بلاد أخرى،اللي بقى فيا هو صوت العجلات، وهي كتدوز فوق الزنقة، وكانت المحلات علامات على طريق العمر، البيار… فليبير… مركز الحليب فالساحة… باطا…المصورين… وكان المصور كيحبس الزمن بواحد الضغطة نوقفو قدام الكاميرا، بوجه جدي بحال إلى عندنا اجتماع مع التاريخ، وما كناش عارفين أن داك الوجه الصغير غادي يولي يوماً ما، وثيقة وأن الصورة غادي تكون هي النافذة، اللي نطل منها على الولد اللي كنت
وكان مول الساعة كيستقبل الزمن وهو متوقف. الساعة كتسكت… وهو يحلها يدخل لأعماقها يصلح قلبها
ويرجعها تدق،يا لها من أيام… حتى الساعات كان عندها شكون يسمع نبضها، وكان الطوبيس… طوبيس السلك…والطوبيس الأزرق ديال قرية الجماعة…كيجي…كيوقف…كيحل الباب…وكيحمل معاه ناساً وحكايات،
واحد غادي للخدمة،واحد للسوق د الجمعه،واحد عند شي قريب،وواحد غادي وما عارفش شنو غادي يلقى،وكان الإنسان،كيعرف الإنسان،وكانت ريحة طابا ، ديال الريجى طابا، لاصقة فنيوفنا،فحوايجنا، الطابع ديال درب السلطان هههه،ما كانش الهاتف كيسول:فين وصلتي؟ كان الإنسان كيسول: فينك؟، ويستنى
وكان الانتظار جزءاً من الحب، وجزءاً من الصداقة، وجزءاً من الحياة واليوم… كلما رجعت لدرب السلطان
ما كنشوفش غير اللي قدامي، كنشوف جوج أفلام، كيعرضو فوق نفس الشاشة فيلم اليوم… وفيلم الستينات، والغريب… أن الطفل اللي فالفيلم القديم ما زال كيجري،كنشوفو… كيجانكلي كيلعب الجليدة
كيشوط الكرة كيجري نحو لارميطاج، كيوقف فالتيران كيشوف البطولة العمالية كيشوف الحاج العربي بن مبارك كيدخل السينما كيدوز من قيسارية الحفارى، قيسارية المنجرة كيمشي لبوشنتوف كيطلع للخشبة
كيوقف قدام المصور، كيركب الطوبيس كيشوف كروصة الماء كيشوف كروصة جافيل وكيجري… كيجري…
حتى يسمع من بعيد: آ لولــــــــــد!، فيتوقف يلتفت كيضحك ويرجع.

وأنا…كلما سمعت هاد الصوت ما كنسمعش غير صوت الأم، كنسمع الزمن كله درب السلطان… شنو نقول عليك؟، أنت ما كنتش حومة، كنت حضناً،كنت مدرسة،كنت مسرحاً، كنت ملعباً، كنت سينما، كنت قهوة،
كنت أغنية،كنت طوبيساً أزرق، وكروصة ماء، وكروصة جافيل، كنت الجليدة، وكنت الكرة، وكنت الضاما، وكنت أم كلثوم، وكنت الحاج العربي بن مبارك، وكنت دار الشباب بوشنتوف، اللي علمتني أن الخشبة، يمكن تكون أول طريق للحكاية،وكنت تيران لاجونيس، اللي علمتني أن المشهد،يمكن يكون هدفاً، والهدف يمكن يكون شعراً،وكنت صوت الأم، ملي كانت كتعلن بلا استئناف:سالينا اللعب ولكن اللعب ما سالاش، حيت داك الطفل ما زال ساكن فيا، وكلما كبرت رجعت ليه، وكلما بعدت قربني، وكلما نسيت ذكرني. ذكرني بمن كنت ومن أين جئت ومن علمني أن الإنسان ماشي غير شحال عاش… ولكن شحال من حياة خلّى وراءه
وأنت…خليتي فيا حياة كاملة لهذا ما نقولش: أنا عشت في درب السلطان نقول: أنا عشت درب السلطان
عشت صباحاتو،عشت لياليه،عشت ريحتو،عشت أصواتو،عشت ناسه،عشت أفراحو،عشت أحلامو،وعشت حتى التحولات ديالو،ولكن أجمل حاجة فيه…أنني كلما رجعت إليه،ما كيستقبلنيش كرجل كبرت به السنين،كيستقبلني،كولد صغير من الستينات،ولد كيجري فزنقة قديمة،الكرة قدامو،صحابو وراه،الشمس فوق راسو،والحياة كلها ما زالت طويلة،ومن بعيد… صوت الأم: آ لولــــــــــد! فيضحك… ويجري… ويرجع… وكأن الستينات ما سالاتش وكأن الزمن ،دار غير دورة قصيرة ورجع من جديد،وكأن العمر كله كان غير ماتش طويل…والصافرة… ما زالت ما صفّراتش.

درب السلطان…يا أول حكاية كتبتني قبل ما نكتب الحكايات، يا أول مسرح شفتو بعيني،قبل ما نعرف أنني غادي نطلع للخشبة، يا أول خشبة علمتني كيفاش نكون شخصاً آخر باش نكتشف شكون أنا، يا أول ملعب
شجعت فيه، يا أول سينما فتحت ليا باب الخيال، يا أول أغنية دخلات لقلبي من قهوة الجزائر،يا أول مدينة
علمتني أن التفاصيل الصغيرة هي اللي كتصنع الذاكرة الكبيرة.

درب السلطان…ماشي غير مكان،أنت زمن وأنا… واحد من أبنائك اللي حملوك معاه، كلما مشى بعيد حملتك فالكلمة،فالصورة فالمسرح فالشعر فالحكاية،ويمكن لهذا السبب ما زلت اليوم،كلما كتبت مشهداً
كنشوف زنقة من درب السلطان، وكلما كتبت شخصية كنشوف وجهاً من وجوهه،وكلما كتبت شعراً، كنسمع صوتاً قديماً، جاي من آخر الزنقة، صوتاً لا يحتاج إلى توقيع،صوتاً يعرفني، وأعرفه، صوت الأم:
آ لولــــــــــد! فألتفت… فأجد الطفل، وأجد الشاعر ،وأجد السيناريست،وأجد الرجل، كلهم واقفين ,في نفس الزنقة،كلهم كيشوفو نفس السماء،كلهم كيسمعو نفس النداء، وكلهم… ما باغيينش يوصلو.

درب السلطان… يا أول حكاية كتبتني قبل ما نكتب الحكايات، يا أول حب ما عرفت قيمتو حتى كبرت
يا مكاناً، خرج من الخريطة ،وسكن القلب يا زمناً سالَى فالتقويم،وما سالاش فيا، يا طفولة كبرات فالجسد، وبقات صغيرة فالقلب.درب السلطان…Mon Amour، ماشي حباً للمكان فقط… ولكن حباً للولد اللي ما زال ساكن فيه، واللي مهما كبر…ومهما دازت السنين… غادي يبقى كيجري فالأزقة ديالك الكرة قدامو، والشمس فوقو والحياة وراه،ومن بعيد… صوت الأم: آ لولــــــــــد! وهو… كيضحك، كيجري ،ويرجع وما باغيش يوصل.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5