ads980-90 after header
الإشهار 1

الانتخابات والموت من أجل الحياة: قراءة فلسفية في أحداث الهروب إلى سبتة

الإشهار 2

العرائش أنفو

الانتخابات والموت من أجل الحياة: قراءة فلسفية في أحداث الهروب إلى سبتة

“أحيانًا عليك أن تموت لتثبت أنك كنت تريد الحياة”

ثمة مفارقات لا يفهمها العقل إلا بعد فوات الأوان، ولعل أكثرها قسوة هي أن يموت الإنسان أحيانًا لكي يثبت أنه كان يريد حياة كاملة، ليس الموت، في مثل هذه الحالة، اختيارًا للحياة الأخرى بالمعنى الديني، ولا عشقًا للفناء، ولا بطولةً رومانسية كما قد توحي بعض الخطابات التي تمجّد الموت. لكنه في جوهره، احتجاجٌ أخير ضد حياةٍ لم تعد تشبه الحياة.

حين يرمي شابٌّ جسده في البحر، وهو يعرف أن المسافة بينه وبين الشاطئ الآخر قد تكون أقصر من المسافة بينه وبين مستقبله في وطنه، فإن السؤال الأخلاقي والفلسفي لا ينبغي أن يكون: لماذا فعل ذلك؟ بل السؤال الأكثر إزعاجًا هو: ما الذي حدث حتى أصبح الموت احتمالًا مقبولًا في نظر إنسانٍ لم يكن يريد سوى أن يعيش؟.

عادة الإنسان لا يخاطر بحياته لأنه يكره الحياة ويئس من العيش، بل لأنه يريد حياةً أخرى، وهنا تكمن المفارقة. لأن الهارب من الفقر لا يكره الحياة، بل يكره حياة الفقر، والهارب من البطالة، لا يهرب من العمل، بل يبحث عن فرصة للعمل أفضل، والذي يعبر البحر لا يبحث عن الموت، وإنما يبحث عن مكانٍ يستطيع فيه أن يقول بصوت عال:”أنا حي”.

لكن حين تُغلق أبواب الحياة الممكنة، يصبح الموت حاضرًا في كل محاولة للخلاص، ليس باعتباره هدفًا، بل مخاطرةً فرضها انسداد الأفق.

ومن هنا يمكن فهم الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرةً تتجاوز الاقتصاد والقانون والجغرافيا، لتصبح سؤالًا فلسفيًا عن معنى الحياة حين تفقد شروطها الأساسية.
ومع تطور الفكر الفلسفي، جعلت الفلسفة من الحياة قيمةً مركزية.

من توماس هوبز إلى جون لوك، ومن جان جاك روسو إلى ايمانويل كانط، تحوّل الإنسان من كائنٍ خاضعٍ للسلطة إلى صاحب حقوق، وكان أول هذه الحقوق حقه في الحياة والكرامة.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح الدولة عاجزةً عن توفير الشروط التي تجعل هذا الحق قابلًا للعيش؟
هنا تظهر ايضا المفارقة في كون الدولة الحديثة تقول للإنسان: “من حقك أن تعيش.”
لكن هذا الإنسان يسأل: “أين أعيش؟ وكيف أعيش؟”.

فالحق في الحياة ليس مجرد منع الإنسان من الموت، بل إنه أيضًا توفير شروط الحياة بدءا من التعليم، الصحة، الشغل، السكن، الأمن والأمان، والكرامة.
أن تترك الإنسان حيًا بيولوجيًا، بينما تسلب منه كل إمكانات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والرمزية، هو شكلٌ من أشكال الاختزال القاسي لمعنى الحياة.
فالإنسان لا يريد أن يكون مجرد جسدٍ يتنفس.
إنه يريد أن يكون ذاتًا لها مستقبل.
لذلك فالبحر لا يقتل، بل يكشف.
يكشف ما حاول المجتمع طويلًا أن يخفيه.
حين يصبح البحر طريقًا للهروب الجماعي، فإن المشكلة لا تكون في البحر فقط، بل في اليابسة التي دفعت الناس إلى التفكير في مغادرته.
وهنا يصبح البحر مرآةً، فكل جثةٍ تطفو على سطحه تحمل سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا: لماذا لم يجد هذا الإنسان طريقًا أقل خطرًا إلى الحياة؟ لماذا اضطر إلى تحويل جسده إلى جسرٍ بين ضفتين؟ ولماذا أصبحت الحدود أكثر قدرةً على حماية الأرض من قدرتها على حماية الإنسان؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها خفر السواحل، ولا الأسلاك الشائكة، ولا البيانات الرسمية.
إنها أسئلةٌ تتعلق بمعنى العدالة نفسها.
يقول في هذا الصدد ألبير كامو في فلسفته عن العبث، إن السؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا هو سؤال الانتحار: هل تستحق الحياة أن تُعاش؟
لكن مأساة هؤلاء الشباب مختلفة، إنهم لا يريدون الانتحار، بل على العكس تمامًا: إنهم يخاطرون بالموت لأنهم يريدون أن يعيشوا.
فالإنسان الذي يهرب من الموت قد يجد نفسه مضطرًا إلى الاقتراب منه.
يريد أن ينجو من حياةٍ خانقة، فيدخل البحر.
يريد المستقبل، فيخاطر بجسده.
يريد العمل، فيصبح مهددًا بالموت.
يريد الكرامة، فيتحول إلى رقمٍ في إحصاءات الهجرة.
هذه هي المفارقة العبثية في أقسى صورها: أن تصبح الرغبة في الحياة سببًا للمجازفة بالموت.
ومن جهة أخرى تحدثت الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت عن “الحق في أن تكون لك حقوق”.
وهذه العبارة تكتسب معنىً مرعبًا عندما نتأمل مصير الإنسان الذي لا يملك سوى جسده ليعبر به الحدود.
فالمهاجر غير النظامي غالبًا لا يظهر في الخطاب السياسي بوصفه إنسانًا كاملًا، بل بوصفه: رقمًا، ملفًا، خطرًا أمنيًا، مشكلةً حدودية، أو إحصاءً ديموغرافيًا.
لكن خلف الرقم وجهًا، وخلف الوجه أمًّا تنتظر، وخلف الأم بيتًا، وخلف البيت طفولةً كاملة، وخلف الطفولة حلمًا بسيطًا مفاده أن يعيش الإنسان حياته دون أن يعتذر عن وجوده.هنا يقفز السؤال المحير: هل الوطن مكان أم إمكانية؟
ربما ينبغي أن نعيد تعريف الوطن، الوطن ليس فقط الحدود والعلم والنشيد والخرائط.
الوطن، قبل ذلك كله، هو إمكانية العيش، أن تجد بيتا تسكنه ونظره فيه أحلامك، أن تستطيع أن تعبر عن رأيك وتختلف دون أن تسجن أو تقتل أو تفقد كرامتك، أن تعمل دون أن تتحول حياتك إلى طابور انتظار، أن تمرض فتجد من يعالجك، أن تتعلم فتجد ما يستحق أن تتعلمه، وأخيرا أن تكبر وأنت تشعر أن المستقبل ليس ملكًا لغيرك، بل لك وحدك.
لهذا، فإن رحيل الشباب لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه هجرةً من الوطن، فأحيانًا يكون الرحيل حكمًا على الوطن. حين يغادر الشباب بأعداد كبيرة، فإنهم لا يحملون أجسادهم فقط، إنهم يحملون معهم سؤالًا صامتًا: “ماذا بقي لنا هنا؟”
يتردد كثيرا قول مفاده: “لقد خاطروا بحياتهم، إذن لم يكونوا يقدّرونها.”
لكن هذه قراءةٌ سطحية، فالذي يقف على حافة البحر قد يكون أكثر الناس إدراكًا لقيمة الحياة، هؤلاء يعرفون أنهم قد يموتون، ومع ذلك يعبرون.
لماذا؟
لأنهم يقارنون بين خطرين: خطر الموت في البحر، وخطر الاستمرار في حياةٍ يشعرون أنها بلا أفق.
وهنا لا يمكن للفلسفة أن تكتفي بإدانة الفرد، بل عليها أن تسأل عن الظروف التي جعلت هذا الاختيار ممكنًا أصلًا.
فالحرية ليست فقط أن تختار بين البدائل، بل الحرية الحقيقية هي أن تكون لديك بدائل تستحق الاختيار.
في النهاية، ربما لا يوجد ما يختصر هذه المأساة أكثر من أمٍّ تنتظر اتصالًا من ابنها.
الهاتف أمامها.
الليل طويل.
والبحر بعيد.
تتصل.
يرن الهاتف.
لا أحد يجيب.
فتتصل مرةً ثانية.
ثم مرةً ثالثة.
وفي تلك اللحظة يصبح الهاتف قبرًا صغيرًا، ويصبح الصمت خبرًا لم يصل بعد.
الأم لا تسأل عن السياسة.
لا تسأل عن الحدود.
لا تسأل عن الاتفاقيات.
تريد فقط أن تعرف الجواب عن السؤال: هل ابني حي؟
وهنا تسقط كل اللغة الرسمية، لا يبقى من العالم إلا سؤالٌ واحد ألا وهو: الحياة.
لذلك حين يموت شابٌّ وهو يحاول عبور البحر، فإن موته لا يثبت أنه كان يكره الحياة، ربما يثبت العكس تمامًا، لقد كان يريد حياةً أفضل إلى درجة أنه خاطر بحياته الوحيدة.
وهنا تصبح العبارة : “أحيانًا عليك أن تموت لتثبت أنك كنت تريد الحياة” ليست تمجيدًا للموت، بل إدانة لعالمٍ جعل الموت دليلًا على الرغبة في الحياة.
إنها جملةٌ ضد الموت.
وضد تحويل الإنسان إلى رقم.
وضد اختزال الوطن في الحدود.
وضد اختزال المواطن في جسدٍ ينبغي أن يبقى داخل الخريطة مهما كانت الخريطة ضيقة.
إنها تقول ببساطة: حين يموت الإنسان وهو يبحث عن الحياة، فالمأساة ليست في أنه لم يعرف قيمة حياته، بل المأساة أن العالم لم يمنحه حياةً تستحق أن يبقى من أجلها، ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ماتوا؟
بل: لماذا لم يجدوا سببًا كافيًا للبقاء؟
وإذا كان البحر قد ابتلع أجسادهم، فلا ينبغي أن نسمح له بأن يبتلع السؤال أيضًا، لأن كل غريقٍ ليس مجرد جثة، إنه سؤالٌ طافٍ على سطح الماء، وكل أمٍّ تنتظر ابنها ليست مجرد امرأةٍ حزينة، إنها شاهدٌ على فشلٍ أخلاقيٍّ وسياسي أكبر من حدود البحر.
وفي النهاية، ربما لا يكون أخطر ما في مأساة هؤلاء الشباب أنهم ماتوا، بل أن يصبح موتهم عاديًا، أن نعتاد صور الغرقى، أن نعتاد أرقام المفقودين، أن نعتاد الأمهات المنتظرات، وأن نعتاد الصمت. فاللحظة التي يصبح فيها موت الإنسان خبرًا عابرًا، هي اللحظة التي لا يموت فيها الغريق وحده…
بل يموت شيءٌ من إنسانيتنا نحن أيضًا.

شفيق العبودي
30 غشت 2026

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5