حين يتذكّر الحجر
قراءة نقدية في لوحة الفنان التشكيلي فائق العبودي التي دخلت الكنز الثقافي لمدينة لوزان السويسرية

العرائش أنفو
حين يتذكّر الحجر
قراءة نقدية في لوحة الفنان التشكيلي فائق العبودي التي دخلت الكنز الثقافي لمدينة لوزان السويسرية
د. يحيى زيدان
هناك لوحات نعرف موضوعها منذ النظرة الأولى، وهناك لوحات لا تكشف موضوعها بسهولة، وإنما تدعونا إلى النظر طويلًا قبل أن تمنحنا شيئًا من أسرارها. وهذه اللوحة من النوع الثاني.
من بعيد، تبدو كأنها قطعة انتُزعت من زمن سحيق: لوح قديم، أو جزء من جدار، أو أثر نجا من خراب طويل. سطحها خشن، وحوافها غير منتظمة، وفي قلبها تتجمع علامات توحي بكتابة قديمة. لكن الاقتراب منها يكشف أننا لا نقف أمام محاولة لإعادة رسم أثر تاريخي، بل أمام محاولة لصنع إحساس الأثر نفسه.
وهنا يبدأ مفتاح قراءتها. فاللوحة لا تستعيد الماضي كما كان، وإنما تتأمل ما يتركه الماضي بعد أن يمر عليه الزمن. إنها لا تقدم لنا حضارة مكتملة، بل تقدم لنا ما بقي منها: علامات، وطبقات، وألوانًا تغيرت، وجرحًا لم يلتئم.
لوحة كأن الزمن مرّ فوقها
أول ما يلفت النظر هو سطح العمل. لا يبدو السطح جديدًا أو مستويًا أو خاليًا من الآثار. ثمة تراكم وخدوش ومناطق مطموسة وأخرى أكثر وضوحًا. بعض العلامات يبدو محفورًا، وبعضها كأنه ظهر من تحت طبقة أخرى، وبعضها الآخر يوشك أن يختفي. هذا كله يجعلنا نشعر بأن اللوحة مرت بمراحل قبل أن تصل إلى شكلها الأخير.
وكأن الفنان لم يكتفِ برسم شيء قديم، بل أراد أن يجعل الزمن نفسه جزءًا من بناء اللوحة. وهذه نقطة أساسية؛ لأن الزمن هنا ليس فكرة نتحدث عنها بعد مشاهدة العمل، وإنما شيء نكاد نراه على سطحه. إننا نرى ما يفعله الزمن بالمادة: كيف يغيّر لونها، وكيف يمحو بعض تفاصيلها، وكيف يترك عليها آثارًا لا يمكن إزالتها. ولهذا تبدو اللوحة كأنها لم تُنجز في لحظة واحدة، بل كأنها عاشت.
في قلب اللوحة كتابة لا نملك مفتاحها
تتجمع في المنطقة الوسطى علامات وخطوط وأشكال تجعل العين تتوقف عندها طويلًا. إنها تشبه الكتابة، أو تستدعي في الذاكرة أشكال الكتابة القديمة، لكننا لا نستطيع أن نقرأها قراءة كاملة. وهنا تنشأ إحدى أجمل مفارقات العمل: نشعر بأن هناك كلامًا، من دون أن نعرف ما الذي يقوله.
الفنان لا يحتاج إلى أن يقدم لنا نصًا مفهومًا. يكفي أن نرى العلامات المتراكمة حتى نشعر بوجود إنسان ترك أثرًا وراءه. فالكتابة هنا لا تؤدي وظيفتها المعتادة في إخبارنا بشيء، وإنما تذكّرنا بأن هناك شيئًا كان موجودًا ذات يوم. إنها أشبه بصوت بعيد فقدنا كلماته، لكننا ما زلنا نسمع صداه. ومن هذه الزاوية، تصبح العلامات جزءًا من فكرة أوسع: الذاكرة لا تحفظ كل شيء. نحن لا نستعيد الماضي كاملًا؛ نستعيد بقاياه.
وقد تكون البقايا أحيانًا أكثر تأثيرًا من الحكاية المكتملة، لأنها تترك لنا مساحة للبحث والتخيل.
اللون الذي يحمل عمرًا
الألوان المحيطة بالجزء الأوسط، وخصوصًا درجات الأخضر والأصفر، تمنح اللوحة إحساسًا غريبًا بالقدم. إنها لا تبدو كألوان طبيعية صافية، بل كأنها تغيرت بفعل الزمن. في بعضها ما يذكّر بمعدن قديم، وفي بعضها ما يشبه التراب أو طبقات السطح التي تعرضت للهواء والرطوبة. أما المنطقة المركزية فتبدو أكثر قتامة وأكثر ثقلًا. وبذلك يصبح اللون جزءًا من حكاية العمل. فالأصفر والأخضر لا يقولان فقط: «هذا لون»، وإنما يوحيان بأن شيئًا ما بقي طويلًا حتى تغير لونه. والداكن في المركز يجعلنا نشعر بوجود شيء مدفون في الداخل، شيء لم ينكشف كله بعد. لهذا لا يستخدم اللون هنا لإضفاء الجمال فقط؛ إنه يساعد على خلق إحساس بالعمر.
الأحمر: الحياة التي لم تنطفئ
وسط هذا العالم المعتّق تظهر علامتان حمراوان صغيرتان. صغر حجمهما لا يقلل من أهميتهما، بل ربما يزيده. فالعين تذهب إليهما بسبب اختلافهما الواضح عن بقية الألوان. يمكن أن نراهما كعينين. ويمكن أن نراهما كجمرتين بقيتا تحت الرماد. وقد يخطر لنا الدم. وقد لا يكون من الضروري أن نختار تفسيرًا واحدًا. ما يهم هو أن الأحمر يدخل إلى اللوحة بوصفه علامة حياة.
فبعد أن اعتدنا على عالم الحجر والتراب والسطوح المتآكلة، يظهر هذا اللون وكأنه يقول إن الماضي ليس ميتًا تمامًا. هناك شيء ما ما زال ينبض. ولهذا تبدو اللوحة، في لحظة معينة، وكأنها تنظر إلينا.
الشق الذي يشبه جرحًا
في الجزء السفلي من اللوحة يمتد شق مائل يقطع الكتلة. قد يبدو في البداية مجرد تفصيل في سطح العمل، لكنه سرعان ما يفرض نفسه على العين. إنه كسر، لكنه يبدو أيضًا كجرح. والفرق بين الاثنين مهم. الكسر يصف حالة المادة، أما الجرح فيحمل وراءه إحساسًا بالألم والفقد. وعندما ننظر إليه بهذه الطريقة، يمكن أن يصبح الشق صورة لما يحدث للذاكرة نفسها. فما يصلنا من الماضي لا يصل سليمًا دائمًا. كثير منه ينكسر، وبعضه يضيع، وبعضه يبقى في صورة شظايا. لكن الشق لا يمحو الأصل. بل يجعلنا ندرك أن ما نراه أجزاء من شيء كان يومًا واحدًا.
وهنا تكمن مفارقة جميلة: الجرح الذي يقسم اللوحة يساعدنا في الوقت نفسه على رؤية وحدتها.
الماضي ليس شيئًا نستعيده كما كان
قد يبدو من السهل أن نصف مثل هذا العمل بأنه عمل عن الحنين إلى الماضي، لكن ذلك لا يكفي لتفسيره. فاللوحة لا تقدم الماضي بصورة مثالية أو كاملة. إنها تقدم الماضي وهو يحمل آثار ما حدث له. الماضي هنا مكسور، ومطموس، وغامض. وهذا يجعل العمل أكثر صدقًا. فنحن، حين نتذكر، لا نستعيد الأشياء كما كانت في لحظتها الأولى. الزمن يتدخل في ذاكرتنا كما يتدخل في الحجر. نحتفظ ببعض التفاصيل ونفقد أخرى، ونملأ الفراغات بما تبقى في داخلنا. ولهذا تبدو اللوحة وكأنها لا تسأل:
كيف كان الماضي؟ بل تسأل: ماذا بقي منه؟ وهذا سؤال أكثر اتساعًا من سؤال التاريخ نفسه.
من أثر الحضارة إلى أثر الإنسان
في العمل إشارات بصرية تستدعي عالم الحضارات القديمة في بلاد الرافدين، لكن قيمة اللوحة لا تتوقف عند هذه الإشارة. فلو كان هدفها مجرد تذكيرنا بحضارة قديمة، لكان من الممكن أن تعتمد على رموز واضحة ومباشرة. لكنها تفعل شيئًا آخر. إنها تجعلنا نفكر في الإنسان الذي ترك تلك العلامات. فالعلامة ليست مهمة فقط لأنها قديمة، وإنما لأنها دليل على يد بشرية مرت من هنا.
وهكذا تنتقل اللوحة من الحديث عن الحضارة إلى الحديث عن الإنسان الذي يخشى أن يختفي أثره. كل حضارة، في النهاية، كانت مكوّنة من بشر أرادوا أن يقولوا شيئًا، وأن يبنوا شيئًا، وأن يتركوا وراءهم ما يدل على أنهم كانوا هنا. وكل ما نراه اليوم من آثارهم هو نوع من الرسالة المؤجلة.
حين تعبر الذاكرة الحدود
يكتسب العمل طبقة أخرى من المعنى من وجوده ضمن المجموعة الفنية المرتبطة بالذاكرة الثقافية لمدينة لوزان.
فالعمل الذي يستحضر ذاكرة رافدينية أصبح بدوره جزءًا من ذاكرة مدينة أوروبية.
وهذا أمر يتجاوز فكرة اقتناء لوحة فحسب. فالذاكرة هنا تنتقل من مكان إلى آخر من دون أن تفقد جذورها. والفن قادر على القيام بهذا الانتقال بطريقة لا تستطيع الوثيقة التاريخية القيام بها دائمًا؛ لأنه لا ينقل المعلومات فقط، بل ينقل الإحساس بالمكان والزمن. وهكذا يصبح العمل نقطة لقاء بين ثقافتين، لا لأنه يشرح إحداهما للأخرى، وإنما لأنه يتيح لهما أن تلتقيا داخل صورة واحدة.
لماذا تبدو اللوحة قديمة وهي عمل معاصر؟
هذه المفارقة من أكثر ما يمنح العمل قوته. فنحن نعرف أننا أمام لوحة معاصرة، لكن العين تستمر في التعامل معها كأنها قطعة من زمن بعيد. وهذا يجعلنا نرى الماضي من خلال الحاضر. فالفنان لا يستطيع أن يعود إلى ذلك الزمن، ولا يحاول أن يوهمنا بأنه عاد إليه. إنه ينظر إليه من مسافة آلاف السنين، ويجمع ما بقي منه، ثم يعيد بناءه بلغته الخاصة. ولهذا فإن اللوحة ليست أثرًا قديمًا، وإنما رؤية معاصرة إلى فكرة الأثر. وهنا تحديدًا تكمن حداثتها.
ما الذي يبقى؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي تختصر فيه اللوحة كلها. ما الذي يبقى بعد أن تسقط المدن؟ ما الذي يبقى بعد أن تختفي الأصوات؟ ما الذي يبقى من اللغة عندما لا يعود أحد يعرف كيف يقرأها؟ قد يبقى حجر. وقد تبقى علامة. وقد تبقى بقعة لون. وقد تبقى قطعة مكسورة لا نعرف قصتها. لكن هذه البقايا، مهما بدت صغيرة، تستطيع أن تحمل في داخلها زمنًا كاملًا. وهذا ما تفعله اللوحة: تمنح البقايا حياة جديدة. إنها تأخذ شيئًا يبدو مهددًا بالنسيان وتضعه أمام العين من جديد. وهنا يتحول الفن إلى مقاومة هادئة للنسيان.
خاتمة: ما يقوله الصمت
ليست هذه اللوحة سهلة، لكنها ليست غامضة لأن الفنان يريد أن يغلق بابها أمام المتلقي. غموضها نابع من طبيعة الموضوع الذي اختارته: الذاكرة نفسها غامضة، والماضي لا يصلنا كاملًا، والأثر لا يشرح لنا كل ما حدث. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن معنى واحد ونهائي لكل علامة. الأهم أن ننظر إلى العلاقة بينها جميعًا: سطح يشبه أثر الزمن، وكتابة فقدت وضوحها، وألوان تحمل إحساسًا بالعمر، وشق يشبه جرحًا، ونقطتان حمراوان تبدوان كأنهما آخر ما بقي من الحياة. من هذه العناصر تتشكل صورة واحدة: شيء قديم قاوم الاختفاء. وهذا هو، في اعتقادي، جوهر قوة العمل.
إنه لا يعيد إلينا الماضي، لأن الماضي لا يعود. لكنه يعيد إلينا أثره. ولا يخبرنا بكل ما حدث، بل يترك أمامنا ما يكفي لكي نشعر بأن شيئًا حدث. وربما لهذا، كلما أطال المرء النظر في اللوحة، تراجعت الحاجة إلى السؤال: «ماذا تعني؟» ويصبح السؤال الأجمل:
«من الذي ما زال يتذكر؟» عندها لا تعود اللوحة مجرد سطح مغطى باللون والعلامات. تصبح ذاكرة. ويصبح الحجر، ولو للحظة، قادرًا على الكلام. كأنه يتذكّر.
