ستون ألفا على الحدود: الحدث الذي كشف هشاشة الداخل واصطفافات الخارج
الجزء الثاني: هل المستهدف إسبانيا وحدها أم الاتحاد الأوروبي كله؟ وهل يبدأ تفكيك أوروبا من جبل طارق؟القسم الثاني: الحدث وسياقه الإقليمي

العرائش أنفو
ستون ألفا على الحدود: الحدث الذي كشف هشاشة الداخل واصطفافات الخارج
الجزء الثاني: هل المستهدف إسبانيا وحدها أم الاتحاد الأوروبي كله؟ وهل يبدأ تفكيك أوروبا من جبل طارق؟القسم الثاني: الحدث وسياقه الإقليمي
العلمي الحروني – منسق تيار اليسار الجديد المتجدد
هل المستهدف إسبانيا وحدها أم الاتحاد الأوروبي كله؟ وهل يبدأ تفكيك أوروبا من جبل طارق؟
إن ما يجري اليوم فيما يسمى بـ “الشرق الأوسط” يتجاوز، في تقديري، حدود الحرب الدائرة أو الصراع على النفوذ في هذه المنطقة. فإغلاق مضيق هرمز، وما يرافقه من احتمال تعرض مضيق باب المندب لخطر جدي، يفتح الباب أمام تحولات عميقة في الجغرافيا السياسية لطرق التجارة والطاقة العالمية، وفي طبيعة الصراع بين القوى الإمبريالية الكبرى.
وفي حالة استمرار إغلاق هرمز، وتعذر المرور الآمن عبر باب المندب، فإن مضيق جبل طارق سيصبح نقطة اختناق استراتيجية حاسمة بالنسبة إلى الحركة البحرية بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. وبذلك تنتقل أهمية الصراع، بصورة مباشرة، من الخليج والبحر الأحمر إلى غرب المتوسط، وتصبح السيطرة على هذا الفضاء جزءا من معركة أوسع حول من يتحكم في شرايين التجارة والإمدادات التي تربط آسيا بأوروبا.
فهل بدأ ترتيب جديد لوضع مضيق جبل طارق ضمن حسابات القوى الإمبريالية عبر إعادة ترتيب مواقع النفوذ والقواعد العسكرية والتحالفات والأدوار السياسية والاقتصادية في المنطقة؟. فالتاريخ يعلمنا أن الممرات البحرية الاستراتيجية تصبح موضع صراع بمجرد أن تتزايد قيمتها في ميزان القوة العالمي.
ترتيب وضع مضيق جبل طارق قد يكون هدفا تضعه القوى الامبريالية وأدواتها ضمن أعينها على المدى المتوسط إن لم نقل القريب. فالولايات المتحدة، كدولة إمبريالية عظمى وهي في وضع إدارة أزمة هزيمتها العسكرية في الحرب الأوكرانية وفي الحرب مع إيران، بعد هزيمتها الاقتصادية مع الصين، وفي صراعها المحموم العالمي الشامل ضد التنين الصيني، واضحة في استراتيجيتها “معي أو ضدي” و”حليفي أو عدوي” في إعادة بناء منظومة التحالفات والتموضع العسكري والسياسي حول العالم.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى أوروبا باعتبارها ساحة للصراع الإمبريالي العالمي ومجالا لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز الرأسمالية الكبرى. وبالتالي فإن الموقع الجغرافي لإسبانيا، وإشرافها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يجعلها جزءا من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل المجال الأطلسي – المتوسطي كله. لكن هل تكون إسبانيا هي المستهدف الفعلي؟ أم أن ما يجري يتجاوزها بكثير؟ وهل نحن أمام مجرد ضغوط وترتيبات تستهدف إعادة ضبط موقع إسبانيا داخل المنظومة الغربية، أم أمام إعادة تشكيل أوسع للفضاء الجيوسياسي المحيط بالاتحاد الأوروبي، في لحظة تتداخل فيها أزمات الطاقة والحرب والممرات البحرية والتنافس الأمريكي- الصيني، والصراع على مواقع النفوذ في المتوسط وإفريقيا؟ وأي وضع جديد يجري إعداده في هذا الفضاء ومن المستفيد منه ومن سيدفع ثمنه في نهاية المطاف؟
وإذا استحضرنا، من جهة أخرى، الانقسامات المتزايدة داخل أوروبا بشأن عدد من القضايا الدولية والإقليمية الحارقة، من حرب الإبادة على غزة والتطهير العرقي ومحاولات التهجير وتهويد القدس المحتلة، إلى الحرب في إيران وأوكرانيا، فإننا نكون أمام بداية تحول استراتيجي أكبر حول مستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. فقد برزت خلال حرب إيران مواقف أوروبية رافضة للانخراط المباشر في الحرب، فيما تصاعد النقاش حول ضرورة امتلاك أوروبا قدرا أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية والأمنية. وفي هذا السياق، جاء ضغط دونالد ترامب المتكرر على الحلفاء الأوروبيين، ملوحا بعواقب سياسية وتجارية وأمنية على من لا ينسجم مع خيارات واشنطن بالكامل؛ وهو ما ظهر بوضوح في تهديداته لإسبانيا خلال يونيو 2025 ثم بعدها في مارس 2026 عندما انتقد رفض عدد من حلفاء الناتو المشاركة في الجهد العسكري الأمريكي ضد إيران واصفا موقفهم بأنه “خطأ فادح”.
وبالتالي، يمكن قراءة ما يجري باعتباره جزءا من صراع أوسع حول مستقبل أوروبا نفسها: هل تبقى ضمن منظومة استراتيجية تقودها واشنطن، أم تتجه تدريجيا نحو بناء استقلالية سياسية وأمنية موحدة أكبر؟ أو يتفكك الاتحاد الأوروبي وينشطر وينقسم حول نفسه.
وفي هذا الإطار، تصبح أدوات مثل التجارة والطاقة والأمن والهجرة أوراقا محتملة للضغط السياسي على الدول التي تختار مواقف لا تنسجم مع السياسة الأمريكية. وما يحدث مع إسبانيا يقدم مثالا لافتا على ذلك، باعتبارها من أكثر الدول الأوروبية احتكاكا بإدارة ترامب في ملفات الإنفاق الدفاعي وإيران وفلسطين. كما أن تصريحات جورجيا ميلوني، رئيسة الحكومة الإيطالية، وتلويحها في 31 يوليوز 2026 بتعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا، وإقرار بدء تشديد إجراءات مراقبة المسافرين القادمين من إسبانيا إلى إيطاليا لمدة شهر ابتداء من فاتح غشت 2026. ولم تكن إيطاليا وحدها، فقد انضمت كل من الدنمارك وفنلندا إلى الدعوات الرامية إلى تعليق ترتيبات شنغن بالنسبة إلى إسبانيا، ودعت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن الاتحاد الأوروبي إلى بحث “جميع الخيارات”، بما فيها تعليق تعاون شنغن مع مدريد، بينما أعلنت فنلندا دعمها للموقف الإيطالي.
في حين عبرت كل من إيرلندا ومعها بدرجات مختلفة فرنسا وبريطانيا عن مواقف تضامنية مع مدريد. وقد جاء الموقف المؤسساتي الأوروبي الصادر عن المفوضية الأوروبية لمحاولة احتواء الأزمة عبر آليات التضامن الأوروبية.
هكذا، وفي ظرف وجيز، تجاوزت أزمة تدفق المواطنين المغاربة إلى سبتة المحتلة إلى عامل توتر داخل الفضاء الأوروبي، وكشفت هشاشة التوافق والتماسك والتضامن الأوروبي حول إدارة الحدود والهجرة، وعمق الخلافات بين الحكومات الأوروبية بشأن توزيع المسؤوليات. لعل ما أفرزته هذه الأزمة من تداعيات يشكل جرس إنذار يوقظ العقل الجمعي الأوروبي بأن انهيار تكتل الاتحاد الأوروبي ليس بالأمر المستحيل، وأن التكتلات الكبرى، كما أظهر مثال الاتحاد السوفياتي، قد تنتقل من أزمات متراكمة إلى مسار تفكك متسارع بسرعة قد تفوق كل التوقعات.
تلكم فرضيات ومؤشرات سياسية متراكمة على استخدام أمريكا أدوات الضغط لإعادة ضبط سلوك الحلفاء الأوروبيين وغيرهم. فهل ستذهب الولايات المتحدة الأمريكية بسياساتها إلى مداها وتدفع بدخول أوروبا عصر التقسيم؟ فالاتحاد الأوروبي قائم أساسا على الحدود المفتوحة وعلى حرية تنقل الأشخاص والبضائع، وإغلاق الحدود أو مجرد ضبطها أو تقنين المرور بفرض تأشيرات سينهي جوهر هذا الاتحاد.
هل يعتبر ما وقع تجاه اسبانيا بداية سياسة فعلية لتقويض هذه الدولة وزعزعتها بشكل منهجي وإسقاط حكومتها الاشتراكية؟ أم أنها مجرد بداية مسار وتوجه يتجه نحو الاتحاد الأوروبي عموما إن لم يبرهن عمليا وبالملموس عن تعاونه مع الإمبراطورية الأمريكية المنهزمة في أوكرانيا وإيران؟ هذا السؤال يطرح نفسه خاصة وأنه سبق لواشنطن أن استعملت، في حالات رسمية موثقة، التهديد بالرسوم والعقوبات التجارية وغير ذلك كأداة ضغط على الاتحاد الأوروبي “حليفها” للحصول على تنازلات أو تغيير سياسات.
لقد جاءت أحداث سبتة في 30 و31 يوليوز 2026 لتضع المغرب واسبانيا معا أمام امتحان من نوع خاص. فقد وصف حاكم سبتة المحتلة خوان خيسوس فيفاس الوضع بـ”حالة طوارئ إنسانية واجتماعية كاملة”. كما أن دعوات رقمية جديدة سبق وأن عادت إلى تحديد 15 غشت 2026 موعدا لمحاولة جديدة للعبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، وهي دعوات رصدتها السلطات المغربية والإسبانية وتعاملت معها بجدية، وإن كانت مصادرها متعددة ومجهولة الهوية والخلفيات. وبالفعل، شهد 15 غشت محاولات ميدانية شارك فيها مئات المهاجرين، غير أن القوات المغربية أحبطتها، وقد شارك فيها مواطنون مغاربة وكثير من المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، وتم توقيف المئات من المشاركين، دون تسجيل عبور جماعي ناجح إلى سبتة.
اللافت أن هذا الضغط الحدودي يتزامن مع لحظة تكون فيها إسبانيا هي الأكثر عزلة داخل المعسكر الغربي، إذ هي الدولة الوحيدة في الناتو التي رفضت، كما تمت الإشارة إليه آنفا، هدف 5% للإنفاق الدفاعي، فكان الرد الأمريكي تلويحا بالرسوم الجمركية العقابية، وتلميحا إلى إخراجها من الحلف، ثم دعوة إلى قطع التبادل التجاري معها كليا ووصفها بأنها “قضية خاسرة” (Fox News). وإسبانيا هي في الآن ذاته الأكثر تصعيدا في أوروبا تجاه تل أبيب، بعد الاعتراف بدولة فلسطين وفرض حظر شامل على تصدير واستيراد السلاح مع إسرائيل ومنع مرور شحناته عبر موانئها وأجوائها. لقد تحولت اسبانيا، الدولة الأكثر انكشافا على الحدود الجنوبية الأوروبية، إلى الدولة الأقل تعاونا مع واشنطن وتل أبيب في آن. فهل نحن أمام تقاطع ظرفي لملفات مستقلة، أم أمام استثمار في هشاشة قائمة لجعل مدريد مثالا يردع به الاتحاد كله على الأقل إن لم نقل لتقويضه وتفكيكه؟ وهل ينجح التحالف الصهيو أمريكي في مسعى تقويض الاتحاد الأوروبي بالرغم من حالة التراجع الهيمني النسبي لهذا التحالف، كما فعلت أمريكا، أثناء بلوغ هيمنتها العالمية ذروتها، وإن اختلف السياق، بتوظيف خطاب “حقوق الإنسان”، ذي التصور الليبرالي، للضغط على الاتحاد السوفياتي وتقويض وتفكيك منظومته؟
إن ما يرجح البعد الأوروبي الأشمل أن الخطاب الأمريكي يستهدف البنية الأوروبية ذاتها وفي وحدتها وجوهرها، هو أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 تحمل الاتحاد الأوروبي وهيئاته فوق-الوطنية العابرة للحدود (الاتحاد الأوروبي ومؤسساته مثل المفوضية الأوروبية ومحكمة العدل للاتحاد الأوروبي) مسؤولية تقويض “الحرية السياسية والسيادة”، وتتحدث عن “محو حضاري” لأوروبا سببه الأول الهجرة نفسها ضمن عوامل أخرى، مثل تراجع معدلات الولادة وفقدان الهويات الوطنية، وتدعو إلى “تنمية وتشجيع المقاومة” داخل القارة العجوز ودعم الأحزاب “الوطنية” من أحزاب اليمين القومي أو الشعبوي الأوروبي (اليمينية والمتطرفة).
هذا السلوك الأمريكي – الإسرائيلي، على خلفية النزوح الجماعي لسبتة المحتلة، ضد الحكومة الاسبانية الحالية يجب ألا يفاجئ أحدا. الأمر يتجاوز هذه الدولة إلى كافة دول أوروبا التي يكن لها النظام الإسرائيلي عداء حقيقيا. فالصحافي المعروف والناشط السياسي والناقد الأمريكي اليميني صاحب النفوذ الكبير تاكر كارلسون مثلا يقول إن الإسرائيليين يسعون إلى تدمير أوروبا، وإنهم لا يكنون أي ود للأوروبيين. وهذا السلوك والطريقة التي نفذ بها في هذا التوقيت بالذات، تظهر كلها أن النظام الإسرائيلي وأنصاره لا يكترثون للحكومات الأوروبية ولا للسيادة الأوروبية، وسيفعلون ما يرونه ضروريا لتحقيق أهدافهم. ومثل هذه التصرفات نفسها هي ما وقع في غرب آسيا وفي لبنان وغزة والضفة الغربية وتجاه إيران، يقصفون الدول ويغتالون القادة ويمحون مجتمعات بأكملها خارج القانون. هكذا كانت السياسة الأمريكية في كل القضايا، ففي حربها التجارية أبدت واشنطن العداء مع الأوروبيين في حالات غرينلاند وكندا وهو عداء يتماشى مع السياسة الإسرائيلية التي تكره الأوروبيين.
إن ما تفعله واشنطن مع القادة الأوروبيين يعكس إلى حد كبير طبيعة العلاقة التي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها مع حلفائها الأوروبيين. فعندما هدد ترامب إسبانيا علنا أمام قادة أوروبيين مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، لم نسمع اعتراضا يذكر، وهو ما يعكس ميلهم إلى استرضاء واشنطن وتجنب الصدام معها. فغالبا ما يفعل الأوروبيون تماما ما ترغب فيه أمريكا سواء داخل المؤسسات الدولية والإقليمية أو كسياسات وأفعال في الواقع الملموس، وهكذا كان الأمر دائما مع ألمانيا والنرويج وبريطانيا إلى حد كبير، وإن كانت فرنسا أقل قابلية لذلك.
فالولايات المتحدة مستعدة للذهاب بعيدا في التصرف بقسوة كبيرة لإيذاء دول غير مطيعة لها ولاسيما تلك التي لا تدعم النظام الإسرائيلي وسياساته. هنا يكمن التفسير الحقيقي لعداء أمريكا لإسبانيا. فالتعامل الأمريكي يبدو جليا أنه يتم وفق شعار “إسرائيل أولا” وليس “أمريكا أولا” ( يتبع).
