بين مسؤولية الفرد وصبر الوعاء

بين مسؤولية الفرد وصبر الوعاء
العرائش أنفو
أمين أحرشيون
الفردانية في جوهرها ليست انعزالاً عن العالم، بل هي أعلى درجات المسؤولية التي يمكن للإنسان أن يتحملها. تبدأ هذه المسؤولية حين يقرر الشخص أن يمسك بزمام حياته، ويتوقف عن إلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين، مدركاً أن كل قرار يتخذه هو اختيار شخصي يحدد مساره. لكن هذا الوعي المستقل يحتاج إلى قوة تحميه، وهنا تبرز أهمية صبر الوعاء.
فالإنسان في المحصلة هو وعاء يتشكل من وعيه وتجاربه. وصبر هذا الوعاء ليس استسلاماً، بل هو قدرة هادئة على استيعاب كل ما تقذفه الحياة في طريقنا من صدمات ومشاعر. صبر الوعاء يعني أن نملك القدرة على احتواء الأحداث ومنحها الوقت لتتحول من ألم إلى حكمة. وكلما زادت مسؤولية الإنسان تجاه نفسه، اتسع وعاؤه ليتحمل ثقل الحقيقة دون أن ينكسر.
لكن هذا الوعي الفردي يصطدم دائماً بواقع القطيع الذي يفضل العيش في حالة من النوم المريح. في الجماعة، يذوب الفرد ويختفي السؤال، مما يعطي الجميع شعوراً مزيفاً بالأمان. وعندما يظهر الشخص الذي يفكر في الواقع كما هو، فإنه يكسر هذا الهدوء. هنا يتحول وعيه إلى مرآة تعكس عجز الآخرين، مما يدفع الجماعة للهجوم أو الانغلاق لحماية أوهامها من صدمة اليقظة.
الفردانية كمسؤولية تعني في النهاية أن تملك الشجاعة لتكون الواعي وسط المنومين، وأن يملك قلبك الصبر الكافي لاحتواء ضغط الواقع، محولاً ثمن الاستقلالية من عبء ثقيل إلى قوة تمنح حياتك معناها الحقيقي.
إن القوة الحقيقية تكمن في قدرة الفرد على الصمود داخل وعائه الخاص، مكتفياً بوعيه، ومتحملاً مسؤولية وجوده دون انتظار اعتراف أو فهم من أحد.
