فيضان الغرب.. غرباوة يطعمون حسناوة والماء يمحو الحدود

فيضان الغرب.. غرباوة يطعمون حسناوة والماء يمحو الحدود
العرائش أنفو
برعلا زكريا
شكل حوض سبو ومنطقة الغرب عموما على امتداد القرون الماضية مسرحا لنزاعات قبلية حول الموارد المائية والمجالات الرعوية، وتوثق الكتابات التاريخية وكتابات الرحالة الأجانب خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين التنافس القوي بين قبائل بني حسن المعروفة بلقب حسناوة وبين مجموعات غرباوة المستقرة، وتمحور الخلاف تاريخيا حول أحقية استغلال الأراضي الفيضية والمرج، واعتمدت البنية القبلية على العصبية في تدبير المجال، وشكلت الحدود الفاصلة بين النفوذ الترابي لكل قبيلة خطوط تماس تشتعل مع كل موسم حصاد أو رعي، وتطلب الأمر عقودا من التحولات السوسيولوجية وتدخل الدولة الحديثة لتفكيك بنية الصراع وتحويله إلى تنافس رمزي.
تفككت هذه النزاعات التاريخية تدريجيا بفعل عوامل الديمغرافيا والتحولات الاقتصادية، ولعبت المصاهرة دورا حاسما في تذويب الجليد بين المكونين، وتشير البيانات السوسيولوجية إلى ارتفاع معدلات الزواج المختلط بين أسر حسناوة وغرباوة في العقود الخمسة الأخيرة، وساهم ظهور المراكز الحضرية الصاعدة والأسواق الأسبوعية الكبرى كسوق الأربعاء وسوق الثلاثاء في خلق فضاءات للعيش المشترك والمبادلات التجارية، وتحولت الدواوير من تجمعات مغلقة على النسب القبلي إلى وحدات سكنية تخضع لمنطق الجوار والمصلحة المشتركة، وأدى ذلك إلى انصهار الهويات الفرعية في هوية جامعة لساكنة الغرب.
أعادت فيضانات نهر سبو الأخيرة تشكيل الخريطة الاجتماعية للمنطقة، وكشفت المعاينة الميدانية للدواوير المنكوبة سقوط آخر جدران العزلة النفسية بين المكونات القبلية، وسارع سكان الدواوير المحسوبة تاريخيا على غرباوة إلى فتح بيوتهم ومخازنهم لإيواء وإطعام الأسر المتضررة من بني حسن، وتجاوزت المساعدات حدود الدعم الغذائي لتشمل توفير الأعلاف للماشية التي تمثل عصب الاقتصاد المحلي، وسجلت التقارير الميدانية حالات إيواء جماعي مارست فيها الأسر المستضيفة طقوس الكرم تجاه جيران الأمس، معتبرة ترك الجار يواجه السيول وحيدا عارا يلاحق القبيلة.
يبرز هذا السلوك التضامني عمق المعدن القيمي للبادية المغربية، وتعد المساعدة في زمن الكوارث واجبا يتجاوز الحسابات المادية، ويرسخ الفلاح المغربي في منطقة الغرب ثقافة العونة والتويزة كآليات تقليدية لتدبير الأزمات، ويوضع المخزون الاستراتيجي للأسر من حبوب وقطاني رهن إشارة المتضررين دون انتظار التوجيهات الرسمية، وتتحول العلاقات التنافسية في أوقات الرخاء إلى تحالف وجودي في أوقات الشدة، ويصبح تقاسم رغيف الخبز وإيواء الماشية التعبير العملي عن وحدة المصير التي صهرتها مياه الفيضان، ماسحة بذلك قرونا من الحدود الوهمية.
تثبت الوقائع المسجلة خلال هذه الكارثة الطبيعية تشكيل الرأسمال الاجتماعي والتضامني في البوادي المغربية خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات، وتؤكد تحول الانتماء للأرض والمجال الجغرافي إلى المحرك الرئيسي للسلوك الجماعي متجاوزا النعرات القبلية الضيقة، ويبقى المخزون القيمي لساكنة الغرب رصيدا استراتيجيا يضمن تماسك الجبهة الداخلية وقدرتها على امتصاص الصدمات الطبيعية والاقتصادية بأقل الخسائر الاجتماعية الممكنة.
