عناية أهل الهبط بالقرآن الكريم

عناية أهل الهبط بالقرآن الكريم
بقلم المؤرح عبد الحميد بريري
ينتمي الطاهر التسولي الى قبيلة ” تسول ” التي تنتمي الى اقليم تازة وهي الى اليوم تنافس منطقة الهبط في تحفيظ كتاب الله رسما وضبطا ووقفا . وهذا الشخص عندما قدم الى هنا لحفظ القرآن ( مخنش)، إنما أراد على ما يبدو إظهار مدى اهتمام أهل قبيلته أو شخصه بحفظ القرآن الكريم أكثر من أهل الهبط الذي وصل صيتهم في ذلك كل أرجاء المغرب ، خاصة وقد بلغوا شأوا فيه حتى ظهر منهم من وضع وقف القرآن الا وهو أبو جمعة السماتي الهبطي الذي يفتخر المغرب به وبإنجازه الفريد الذي يعده العلماء المختصين في هذا الميدان من العوامل التي ساعدت على تحفيظ كتاب الله لعدد مهم من افراد الشعب المغربي مقارنة مع باقي شعوب الأمة الإسلامية . الطاهر بتشدده هذا – وصى عند موته أن يضع على قبره الشوك حتى لا يتخطاه كل من لا يحفظ القرآن بكامله وبإتقان وباصطلاح طلبة حفاظ كتاب الله “ثمايني” – ظن أن في قبيلة بني عروس ليس من حفاظها وهو البارع في الحفظ ، قادر على أن يعجزه في هذا المضمار وأنه يتحدى كل طلبة الهبط أن يبرزوا له الخطأ لكن في التالي يتفاجأ باصغر منه ومن جنس بشري غيره : أنثى ، “تركزه” وتبرز له الخطأ . يعترف بالقصور ويغفل كتابة حروف الشين ويعمل على معاقبة نفسه للتذكر مرة أخرى ويضع احجار في برنس جلبابه لكي لا ينسى مرة أخرى ويزداد تذكره لذلك كلما مر عليه سائل عن فعله ذلك .
هذا وإن دل على شيء فإنما يدل على أن سكان الهبط كانوا على عناية بكتاب الله وانشغالهم به : ذكرهم وأنثاهم ، كبيرهم وصغيرهم فلا مجال في هذا الميدان التشكيك في ذلك وإنما التسليم بذلك وإن كان الطاهر قد استسلم وهو الذي يتباهى بحفظ القرآن ويتحدى بذلك وإن كان خطأه ناتج عن طبيعته البشرية التي قد تغفل وسبحان الله الذي” لا تاخذه سنة ولا نوم” . وهذا التشدد في حفظ القرآن عشناه بين طلبة القرآن فلا يعترفون بحفظ كتاب الله إلا لمن يتقنه رسما وضبطا أما غير ذلك فلا يعتبر إلا ” ثمايني ” . وكم كان هذا الإسم الأخير يقلق ويزعج الحفاظ أن يسمعوه من أحد إذا قصدوا به حتى أصبح بينهم سب وقذف . وللتمييز بين الحافظ المتقن وغيره أنشأ حفاظ مدينة العرائش مثلا ، في بداية عهد الإستقلال مِؤسسة تعنى بالطلبة الحاملين لكتاب وتبني مطالبهم وحماية هذه الصفة من كل دخيل يدعي حفظ القرآن وهو لا يحفظه رسما وضبطا وتسليم بعد ذلك اعترافات وشهادات على ذلك لممارسة أي نشاط يرتكز على حفظ القرآن كالإمامة بالمساجد وغيرها . سميت منظمة حفظة القرآن وكان والدي – رحمة الله عليه وعلى جميع أموات المسلمين – من مِؤسيسيها .
المظهر الثاني هو الذي شاهده الأجنبي المذكور عن طلبة الخلط إحدى قبائل الهبط العريقة وكيف جاء عدد مهم من حفظته ال500 إلى مدينة العرائش ، وهو عدد يجب الوقوف عنده لما له من دلالة عميقة على اعتناء أهل الهبط بتحفيظ كتاب الله والإهتمام الذي يعطونه لأهل القرآن وخاصة من سكان مدينة العرائش . فيجمعون لهم الأموال ويقدمون لهم الهدايا باحتفالهم بعيد وهو بالتحديد ذكرى عاشوراء . فاحتفالهم هذا يعني أن هذه الفئة من المجتمع لها رمزيتها الروحية والدينية ولها المكانة المهمة وأن عدد 500 طالب الذين حضروا من قبيلة الخلط له عدة دلالات . الأول أن حفظ القرآن كانت له عناية خاصة لدى سكان الهبط . الثاني إن كان عدد قبيلة هبطية واحدة من الطلبة كانت حاضرة في هذا الحفل فكم يكون عدد أفراد القبيلة الذين يحفظون القرآن إذا أضفنا إليه الغائبين ؟ وكم هو بعد حفظة القرآن في المنطقة الهبطية كلها في وقت كانت الكثافة السكانية أقل بكثير مما عليه اليوم بسبب عدة عوامل ؟ الثالث سخاء وجود المغاربة في العرائش مع أهل القرآن بمشاركتهم هذا المهرجان بأموالهم وبالهدايا لهم .
أمور كلها تثبت ما نقول بلإضافة إلى التضامن المطلق مع كل طالب حل في قرية من قرى الهبط إلا ولقي الرعاية والإهتمام من طرف سكانه بتوفير الأكل بالتناوب أو مايسمى ب “النوبة ” وبدعوتهم لحفلاتهم وأعراسهم وتخصيص أفضل الأماكن لهم . وهذا رغم فقر الهبطيين الذين يتواجدون في أغلبهم في مناطق نائية وجبلية وعرة وأرض فقيرة المواد العضوية الأساسية في كل إنتاج زراعي . ولكن في سبيل كتاب الله وتحفيظه يهون ذلك لديهم ويتغلبون على الحاجة وقلة ذات اليد .
يتبع
