ads980-90 after header
الإشهار 1

إفريقيا بين نداء الضمير الروحي ورؤية التنمية العادلة

تلاقي خطاب البابا لاون الرابع عشر ومشروع أمير المؤمنين من أجل كرامة الإنسان وثروات القارة

الإشهار 2

العرائش أنفو

إفريقيا بين نداء الضمير الروحي ورؤية التنمية العادلة
تلاقي خطاب البابا لاون الرابع عشر ومشروع أمير المؤمنين من أجل كرامة الإنسان وثروات القارة

في لحظةٍ تتكثف فيها التحولات الجيوسياسية والاقتصادية حول العالم، وتشتد فيها الأسئلة الكبرى حول العدالة في توزيع الثروات، يطفو إلى السطح خطابٌ روحيّ ذو دلالة عميقة ألقاه قداسة البابا لاون الرابع عشر خلال زيارته إلى أنجولا، إحدى أكثر دول القارة الإفريقية غنىً بالموارد الطبيعية، وأكثرها في الوقت نفسه حساسيةً من حيث إرث الاستعمار وتحديات التنمية.
لم يكن خطاب البابا خطاباً عابراً في سياق جولة رعوية، بل بدا أقرب إلى نداء ضمير عالمي، يضع إصبعه على جرحٍ إفريقيّ مفتوح منذ عقود: مفارقة الوفرة الطبيعية مقابل هشاشة الواقع الاجتماعي. ففي كلمته أمام المسؤولين في لواندا، عبّر البابا عن أسفه العميق لما وصفه بسيطرة “جهات نافذة” على الثروات الإفريقية، في إشارة إلى شبكات اقتصادية كبرى وشركات متعددة الجنسيات تستفيد من النفط والمعادن والموارد الاستراتيجية، دون أن ينعكس ذلك بشكل عادل على حياة الشعوب.
وقد ذهب خطابه أبعد من مجرد النقد الاقتصادي، ليصل إلى مستوى الإدانة الأخلاقية لمنطقٍ اقتصادي يُختزل في “الاستخراج”، حيث تُستنزف الأرض دون اعتبار لتداعيات ذلك على الإنسان أو البيئة. وتوقف البابا عند سؤالٍ موجع ومفتوح: كم من المآسي الاجتماعية، وكم من الضحايا، وكم من الكوارث البيئية تنتج عن هذا النمط من الاستغلال غير المتوازن للثروات؟
وفي عمق خطابه، برزت فكرة مركزية هي التحرر من “العبودية الحديثة”، التي لم تعد تُمارس عبر أدوات العنف التقليدية، بل عبر آليات اقتصادية غير عادلة، تُنتج التفاوت، وتُكرّس التبعية، وتُضعف قدرة المجتمعات على التحكم في مصيرها التنموي. إنها عبودية ناعمة في شكلها، قاسية في نتائجها، لأنها تُفرغ الثروة من بعدها الإنساني، وتحولها إلى مصدر قلق بدل أن تكون رافعة للتنمية.
هذا الخطاب، بما يحمله من شحنة أخلاقية وروحية، يجد صداه في رؤية استراتيجية متماسكة يؤكدها أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في تعاطي المغرب مع محيطه الإفريقي. فالمغرب، من خلال سياسته الإفريقية، لا ينطلق من منطق الاستغلال أو البحث عن النفوذ، بل من رؤية تقوم على الشراكة المتوازنة، والتنمية المشتركة، واحترام السيادة الاقتصادية للدول الإفريقية.
إن فلسفة “رابح – رابح” التي تؤطر هذه الرؤية ليست مجرد شعار دبلوماسي، بل هي ترجمة عملية لفكرة أعمق: أن إفريقيا ليست مجالاً للتنافس على الثروات، بل فضاءً لبناء المصير المشترك، وأن الإنسان الإفريقي ليس موضوعاً للمساعدة، بل فاعلاً أساسياً في التنمية وصناعة القرار.
ومن هنا، يتقاطع الخطاب البابوي مع الرؤية الملكية في نقطة جوهرية: إعادة الاعتبار للإنسان الإفريقي، ليس كوسيلة في معادلات الاقتصاد العالمي، بل كغاية مركزية لكل مشروع تنموي. فالثروة، حين تُفصل عن الإنسان، تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول إلى عامل توتر بدل أن تكون أداة استقرار.
لقد عانت إفريقيا طويلاً من أنماط تنموية غير متوازنة، غذّت الفوارق الاجتماعية، وأنتجت هشاشة اقتصادية، وأحياناً زادت من حدة النزاعات ذات الخلفيات السياسية أو القبلية أو حتى الدينية. وهو ما يجعل الدعوة إلى مراجعة هذا المسار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، من أجل بناء نموذج تنموي جديد، أكثر عدلاً وإنصافاً واستدامة.
إن التلاقي الرمزي بين صوتٍ ديني عالمي، يمثله خطاب البابا لاون الرابع عشر، وصوتٍ سياسي استراتيجي، يجسده مشروع أمير المؤمنين في إفريقيا، لا يمكن قراءته كصدفة خطابية، بل كإشارة إلى تحول عميق في الوعي الدولي تجاه القارة الإفريقية. تحول يعيد طرح الأسئلة الأساسية: من يملك الثروة؟ ولمن تُوجَّه؟ وكيف يمكن تحويلها من مصدر صراع إلى رافعة للكرامة الإنسانية؟
في النهاية، تقف إفريقيا اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخها الحديث: إما أن تستمر في مواجهة أنماط استنزاف متجددة تتخفى خلف شعارات التنمية، أو أن تنجح في فرض نموذج جديد يقوم على السيادة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والتكامل الإقليمي.
إنها لحظة يتقاطع فيها النداء الروحي مع المشروع السياسي، ويجتمع فيها الضمير الأخلاقي مع الرؤية الاستراتيجية، في أفقٍ واحد عنوانه الكبير: إفريقيا ليست فقط قارة الثروات، بل قارة الإنسان… والإنسان أولاً وأخيراً.

بقلم : محمد اعبيدو

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5