ads980-90 after header
الإشهار 1

حين يتحوّل تكافؤ الفرص إلى حلم مؤجل قراءة في سؤال العدالة الاجتماعية بالمغرب

الإشهار 2

العرائش أنفو

حين يتحوّل تكافؤ الفرص إلى حلم مؤجل
قراءة في سؤال العدالة الاجتماعية بالمغرب

بقلم: محمد اعبيدو

في كل الأمم التي تؤمن بمستقبلها، لا يُقاس التقدم فقط بما يُشيَّد من طرق وموانئ ومشاريع كبرى، بل بما يُمنح لأبناء الوطن من فرص متساوية لصناعة مصائرهم بكرامة وعدالة. فالدولة القوية ليست تلك التي يحتكر فيها النفوذُ والثروةَ قلةٌ قليلة، بل تلك التي يشعر فيها ابن القرية كما ابن المدينة، وابن العامل كما ابن المسؤول، أن الوطن يتسع للجميع، وأن الكفاءة والعمل والاجتهاد هي المفاتيح الحقيقية للنجاح والارتقاء.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح داخل المجتمع المغربي اليوم هو:
هل ما زال مبدأ تكافؤ الفرص قائماً بالفعل، أم أنه أصبح شعاراً جميلاً يعلّق في الخطب والبرامج، بينما الواقع يسير في اتجاه آخر؟
لقد تشكل عبر عقود طويلة مشهد اجتماعي واقتصادي شديد التعقيد، تتحكم فيه شبكات نفوذ مترابطة، وعائلات راكمت السلطة والثروة والعلاقات، بعضها امتد نفوذه منذ الحقبة الاستعمارية، حيث ارتبطت مصالحها بمراكز القرار الأجنبية، واستفادت من الامتيازات والولاءات التي صنعتها مرحلة الحماية الفرنسية والإسبانية. ومع مرور الزمن، لم تختفِ هذه البنيات، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة داخل السياسة والاقتصاد والإعلام ومراكز القرار.
إن أبناء هذه النخب يولدون في عالم مختلف تماماً عن عالم أبناء الشعب البسطاء.
يدرسون في مدارس البعثات الأجنبية، ويتقنون اللغات منذ الطفولة، وتُفتح أمامهم أبواب الجامعات الدولية الراقية، وتُهيأ لهم شبكات العلاقات والامتيازات والفرص قبل أن يبدأوا أول خطوة في الحياة. بينما يقف آلاف الشباب المغربي في الضفة الأخرى من المعادلة، يصارعون من أجل تعليم عمومي منهك، وفرص شغل محدودة، وآفاق اجتماعية ضيقة، وشعور متزايد بأن النجاح لم يعد مرتبطاً بالاستحقاق، بل بالقرب من دوائر النفوذ والمال والعلاقات.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فحين يفقد المواطن ثقته في عدالة الفرص، يبدأ الإحساس بالاغتراب داخل الوطن نفسه.
وحين يشعر الشاب أن مستقبله تحدده الأسماء العائلية لا الكفاءات، والثروات الموروثة لا الجهد الشخصي، تتسلل إلى النفوس مشاعر الإحباط والمرارة وفقدان الانتماء.
لقد أصبح كثير من أبناء الطبقات البسيطة يشعرون أنهم يعيشون في وطن بوجهين:
وجهٌ يملك كل شيء، ووجهٌ يصارع من أجل أبسط الحقوق.
فئة وُلدت وفي أفواهها “ملاعق من ذهب”، وفئات أخرى وُلدت مثقلة بالفقر والهشاشة والانتظار الطويل.
وفي خضم هذه الاختلالات، برزت أيضاً قوى أخرى راكمت النفوذ بطرق أكثر خطورة:
تجار المخدرات، وسماسرة الأزمات، والانتهازيون الذين يتاجرون بالدين أو السياسة أو مآسي الناس من أجل الثراء والسلطة. هؤلاء لم يبنوا ثرواتهم على الإنتاج والمعرفة والابتكار، بل على استغلال هشاشة المجتمع وضعف الرقابة واختلال منظومة القيم.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن ليس الفقر المادي فقط، بل فقدان الأمل.
فحين يتحول الحلم الجماعي إلى مجرد رغبة في الهجرة، وحين يرى الشباب أن مستقبلهم يوجد خلف البحر لا داخل الوطن، فإن ذلك ليس أزمة أفراد، بل إنذار عميق يمس التوازن الاجتماعي والروحي للأمة بأكملها.
إن آلاف الشباب المغربي لا يهاجرون فقط بحثاً عن المال، بل بحثاً عن الاعتراف، وعن الكرامة، وعن فرصة عادلة يشعرون فيها أن الإنسان يمكن أن ينجح بعمله لا باسم عائلته، وباجتهاده لا بولاءاته، وبكفاءته لا بشبكة المصالح التي تحيط به.
ومع ذلك، فإن المغرب يظل بلداً عظيماً بإمكاناته البشرية والحضارية والتاريخية.
وشعبه يمتلك من الذكاء والصبر والطاقة ما يكفي لبناء نموذج أكثر عدلاً وإنصافاً. لكن ذلك يقتضي شجاعة حقيقية في مواجهة مظاهر الاحتكار والريع والامتيازات غير المشروعة، ويقتضي قبل كل شيء إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان المغربي، أيّاً كان أصله الاجتماعي أو الجغرافي.
إن الوطن الذي نحلم به ليس وطناً للحقد الطبقي ولا للصراع بين الفقراء والأغنياء، بل وطن للعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص. وطن يشعر فيه الجميع أن القانون فوق الجميع، وأن الثروة الوطنية حق مشترك، وأن المدرسة العمومية يمكن أن تصنع مستقبلاً، وأن المناصب تُنال بالكفاءة لا بالقرابة، وأن السياسة رسالة لخدمة الوطن لا وسيلة لتوريث النفوذ.
فالأمم لا تسقط فقط بالاحتلالات الخارجية، بل قد تسقط أيضاً حين يتحول الإحساس بالظلم إلى شعور جماعي صامت، وحين يصبح الأمل امتيازاً طبقياً لا حقاً وطنياً.
ويبقى السؤال معلقاً في ضمير الوطن:
كيف نبني مغرب المستقبل إذا كان كثير من أبنائه يشعرون أن أبواب المستقبل موصدة أمامهم منذ الولادة؟.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5