عرفة في قلب المغربي

العرائش أنفو
عرفة في قلب المغربي
بقلم سعيد ودغيري حسني
اللهم يا واسع المغفرة ،يا من جعلت يوم عرفة تاج الأيام،احفظ المسلمين في كل أرض،واحفظ المغرب من كل سوء،واحفظ أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس،واحفظ ولي عهده صاحب السمو الملكي مولاي الحسن،وصاحب السمو الملكي مولاي الرشيد،وصاحبة السمو الملكي لالة خديجة،واحفظ الأسرة الملكية الشريفة،واجعل هذا البلد مطوقا بالسكينة،محميا بدعاء الصالحين ودموع الأمهات.
قال الله تعالى﴿ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾
وقد أجمع كثير من المفسرين أن الليالي العشر هي عشر ذي الحجة،وفي قلب هذه الليالي يقف يوم عرفة كقنديل عظيم، يضيء روح الأمة،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم “خير الدعاء دعاء يوم عرفة”وقال أيضا “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة”
لهذا لا يدخل يوم عرفة إلى المغرب كأي يوم,بل يدخل كما تدخل المواسم الكبرى,تحمله المآذن,وتفتحه الأدعية,وتستقبله البيوت المغربية كما تستقبل ضيفا مباركا قادما من السماء.
في المغرب ، لا تبدأ عرفة مع طلوع الشمس فقط ،بل تبدأ قبلها بأيام ، حين تتحول الأسواق إلى مسارح شعبية نابضة بالحياة ، وتتعالى أصوات الباعة ، ويمشي الناس بين الأكباش كما لو أنهم يمشون داخل حكاية قديمة موروثة عن الأجداد.
الطفل المغربي يرى الكبش أكثر من أضحية ، يراه كائنا احتفاليا،يحدثه ، ويطعمه، ويربط به علاقة وجدانية غريبة، حتى إذا جاء يوم العيد، اختلطت في قلبه الفرحة بالحزن وكأنه يكتشف للمرة الأولى معنى الفداء.
أما النساء ، فيبدأن طقوسهن الخاصة ،تنظيف البيوت،غسل الأغطية،تعطير الزوايا بالبخور،إعداد الحناء،وتحضير التوابل،كأن البيت المغربي في عرفة يتحول إلى زاوية صوفية صغيرة ، تتهيأ لاستقبال البركة.
وفي القرى المغربية ، خصوصا في الأطلس والجنوب ،تأخذ عرفة بعدا جماعيا أعمق ،حيث تجتمع العائلات ،
وتقرأ الأمداح النبوية ،ويرتفع الذكر الجماعي بعد صلاة العصر ،ثم يبدأ الدعاء الطويل ،دعاء يشبه البكاء أكثر مما يشبه الكلام .
ومن الطقوس الراسخة أيضا ،صيام يوم عرفة ،إذ يتمسك به المغاربة بقوة ،لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده “.
لذلك ترى الشوارع المغربية قبيل المغرب هادئة على غير عادتها ،الناس ينتظرون الأذان بخشوع ،الأمهات يجهزن الحريرة والتمر والحليب ،والأبناء يجلسون حول المائدة في صمت نوراني ، ثم ينطلق صوت المؤذن ،فتشعر كأن المغرب كله يفطر في قلب واحد.
ومن الناحية السوسيولوجية ،فإن عرفة تمثل في الوعي المغربي لحظة إعادة بناء الجماعة ، إنها اليوم الذي تتراجع فيه الفردانية ،ويعود فيه معنى العائلة والجيرة والتكافل ،فالفقير يجد من يرسل له اللحم ،والجار يطرق باب جاره ،والخصومات القديمة تخف حدتها ،وكأن المجتمع كله يدخل هدنة روحية مؤقتة مع نفسه .
ولأن المغرب بلد تشكل عبر الزوايا والتصوف ،فإن عرفة عند المغاربة ليست مجرد عبادة ظاهرية ،بل تجربة وجدانية عميقة ،تختلط فيها الشريعة بالمحبة ،والدعاء بالموسيقى الداخلية للروح .
في فاس ، كانت الزوايا تقيم الحضرات ليلة العيد وفي مراكش ،كان المنشدون يملؤون الساحات بالأمداح ،
وفي سوس والريف ، كانت الأسر تجتمع لقراءة القرآن جماعة .أما في الدار البيضاء ، فحتى المدينة الحديثة كانت تخفف من سرعتها ،وكأنها تنحني قليلا أمام قداسة اليوم.
قال أحد الصالحين المغاربة : “إذا دخلت عرفة على قلب المؤمن ، صار قلبه أوسع من الدنيا ، ولهذا يبدو المغربي في هذا اليوم أكثر حنانا ، وأكثر ميلا إلى الصفح ،كأن عرفة لا تمر على الوقت فقط ، بل تمر على الأرواح فتغسلها بهدوء .
هناك دائما جدة مغربية ، تجلس قرب نافذتها، تمسك مسبحتها ،وتردد الصلاة على النبي ، ثم تدعو للملك ، وللبلاد، وللغائبين، ولمن رحلوا وتركوا أسماءهم معلقة في الذاكرة.
هكذا تبقى عرفة في المغرب ،أكثر من مناسبة دينية ، إنها مرآة للروح المغربية نفسها، روح تمزج بين الدين والفرح، بين الطقس الاجتماعي والعشق الإلهي ، بين صوت التكبير ،ورائحة الشواء ، وبين دمعة خفية تسقط من عين أم وهي تقول:
اللهم احفظ هذا البلد وأهله
واجعل البركة لا تغادر المغرب أبدا.
