سبتة… الهجرة الجماعية تعيد فتح ملفات الذاكرة والاستعمار والسيادة والعدالة التاريخية

العرائش أنفو
سبتة… الهجرة الجماعية تعيد فتح ملفات الذاكرة والاستعمار والسيادة والعدالة التاريخية
بقلم : محمد اعبيدو
لم تكن موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو مدينة سبتة حدثاً عابراً، بل شكلت محطة مفصلية أعادت إلى الواجهة أسئلة التاريخ والسيادة والذاكرة والعدالة، وكشفت حجم التأثير الذي تمارسه شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل القناعات الجماعية، بعد الانتشار الواسع لمنشورات ورسائل ومقاطع مصورة قدمت صورة مغرية عن إمكانية الوصول إلى سبتة، وروجت لتفسيرات متداولة دفعت أعداداً كبيرة من الشباب، إلى جانب نساء ورجال وأطفال وقاصرين، إلى خوض مغامرة بحرية خطيرة.
ومن المنظور المغربي، فإن ما جرى يحمل دلالة خاصة؛ فالمغاربة الذين عبروا إلى سبتة لم ينظر كثير منهم إلى أنفسهم باعتبارهم متسللين إلى أرض أجنبية، بل باعتبارهم ينتقلون داخل جزء من وطنهم، انسجاماً مع الموقف المغربي الذي يعتبر سبتة ومليلية والجزر الخاضعة للإدارة الإسبانية أجزاءً من التراب المغربي، ويرى أن استكمال الوحدة الترابية يظل قضية تاريخية وسيادية ينبغي معالجتها بالوسائل السلمية، والحوار، واحترام القانون الدولي.
إن هذه الأحداث تعيد فتح ملف الذاكرة الاستعمارية الإسبانية في شمال المغرب، حيث شهدت مناطق الريف وجبالة خلال فترة الاستعمار حروباً دامية تركت جراحاً عميقة في الذاكرة الجماعية. وتشير دراسات تاريخية إلى استعمال أسلحة كيميائية وغازات سامة خلال حرب الريف، وإلى اعتماد سياسات عسكرية قاسية، من بينها سياسة الأرض المحروقة، والحصار، والتجويع، واستهداف مصادر عيش السكان، في إطار القضاء على المقاومة المغربية وإخضاع قبائل الريف وجبالة.
كما يسجل التاريخ أن سلطات الحماية الإسبانية جندت عشرات الآلاف من المغاربة، ومن بينهم أعداد كبيرة من أبناء الريف وجبالة، للمشاركة في الحرب الأهلية الإسبانية تحت قيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، وعُرفوا في إسبانيا باسم «المورو». وقد سالت دماء هؤلاء على الأراضي الإسبانية في حرب لم تكن حرب وطنهم، وهو ما يجعل هذا التاريخ جزءاً من الذاكرة المشتركة بين الشعبين، ويحمّل إسبانيا مسؤولية أخلاقية في التعامل مع هذا الإرث.
وانطلاقاً من ذلك، تتجدد الدعوات التي يرفعها عدد من الباحثين والمؤرخين والحقوقيين إلى أن تقدم إسبانيا اعتذاراً رسمياً عن ماضيها الاستعماري في المغرب، وأن تعترف بما وثقته دراسات تاريخية بشأن استعمال الأسلحة الكيميائية والغازات السامة، وسياسات الأرض المحروقة والتجويع، وما خلفته من معاناة إنسانية وآثار صحية وبيئية امتدت عبر أجيال. كما تتواصل الدعوات إلى فتح الأرشيفات التاريخية، وتشجيع البحث العلمي، وصون الذاكرة، والنظر في آليات للإنصاف وجبر الضرر.
إن الاعتذار عن الماضي لا ينتقص من هيبة الدول، بل يعبر عن نضجها الأخلاقي والحضاري، ويؤكد احترامها للحقيقة ولحقوق الإنسان. فالأمم الكبرى لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة، وإنما أيضاً بقدرتها على مواجهة تاريخها بشجاعة، والاعتراف بآلام الشعوب التي عانت من ويلات الاستعمار.
إن أحداث سبتة ليست مجرد أزمة حدود، بل هي دعوة إلى إعادة قراءة التاريخ، وإلى مواجهة الذاكرة بشجاعة، وإلى بناء مستقبل يقوم على الحقيقة والعدالة والاحترام المتبادل. فالتاريخ لا يطالب بالانتقام، وإنما بالإنصاف، والذاكرة لا تبحث عن الكراهية، وإنما عن الاعتراف، ولا يمكن أن يكتمل السلام إلا إذا تأسس على الحقيقة والعدالة وصون الكرامة الإنسانية.
