ads980-90 after header
الإشهار 1

بين تزامن الأحداث وحسابات السياسة… هل تحمل موجة الهجرة نحو سبتة رسائل تتجاوز البعد الإنساني؟

الإشهار 2

العرائش أنفو

بين تزامن الأحداث وحسابات السياسة… هل تحمل موجة الهجرة نحو سبتة رسائل تتجاوز البعد الإنساني؟

بقلم : محمد اعبيدو

لم تكن المشاهد التي وثقت تدفق مئات المراهقين والشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد خبر عابر أو حادثة معزولة، بل تحولت إلى قضية وطنية وإنسانية وسياسية هزت وجدان المغاربة، وأثارت أسئلة عميقة حول مستقبل الشباب، وحول كيفية إدارة أحد أكثر الملفات حساسية، وهو ملف الهجرة.

وجاءت هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع احتفالات الشعب المغربي بعيد العرش المجيد، وهي مناسبة وطنية تجسد وحدة العرش والشعب وتلاحم الأمة حول ثوابتها. كما تزامنت مع تطورات إقليمية ودبلوماسية وقانونية مرتبطة بملف الهجرة، الأمر الذي جعل الرأي العام يتساءل عن دلالات هذا التزامن، وعن خلفياته، دون القفز إلى استنتاجات لا تستند إلى أدلة.

ومن حق المواطنين أن يتساءلوا: لماذا وقع هذا التصعيد في هذا التوقيت؟ وهل كان مجرد تزامن بين أحداث متفرقة، أم أن هناك عوامل متعددة تفاعلت وأدت إلى هذه النتيجة؟ هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها يجب أن تأتي من خلال تحقيقات دقيقة، وشفافية مؤسساتية، واحترام للحقيقة.

لكن وسط هذا الجدل، ينبغي ألا تغيب الحقيقة الإنسانية المؤلمة. فالشباب الذين خاطروا بحياتهم ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل أبناء أسر مغربية، يحملون أحلامًا وطموحات وآمالًا اصطدمت بواقع صعب. ومن هنا، فإن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل يجب أن تكون اجتماعية واقتصادية وتربوية وتنموية.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تصبح مسؤولية الجميع مضاعفة؛ الدولة، والمؤسسات، والإعلام، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والنخب الفكرية، مدعوون إلى تغليب صوت الحكمة، وتهدئة النفوس، وإعادة النقاش إلى مساره المسؤول، بعيدًا عن المزايدات أو الاستغلال السياسي للأحداث.

كما أن أي ترتيبات أو تفاهمات بين المغرب وشركائه بشأن تدبير ملف الهجرة تستوجب مواكبة شفافة للرأي العام، حتى تبقى الثقة قائمة بين المؤسسات والمواطنين، وحتى تُدار الأزمات بروح المسؤولية واحترام القانون.

ومن الضروري فتح تحقيقات شاملة لكشف كل من يثبت تورطه في استغلال القاصرين والشباب، أو تنظيم الهجرة غير النظامية، أو الاتجار بالبشر، أو الترويج لأوهام الثراء السريع عبر الهجرة، مع تطبيق القانون بحزم على كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان موقعه أو صفته.

كما تفرض هذه المرحلة تقييمًا جادًا للسياسات العمومية المرتبطة بالشباب والتشغيل والتكوين والإدماج الاجتماعي، واستخلاص الدروس من هذه الأزمة، حتى لا تتكرر المآسي ذاتها. فالمحاسبة، عندما تستند إلى القانون والمؤسسات، ليست وسيلة للانتقام، بل ركيزة لإصلاح الاختلالات وتجديد الثقة في العمل العام.

وفي المقابل، ينبغي أن يرتقي الخطاب السياسي إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وأن يبتعد عن توظيف معاناة الشباب في تصفية الحسابات الحزبية أو الانتخابية، لأن الوطن أكبر من كل الخلافات، ومستقبل الشباب لا يجوز أن يكون مادة للصراع السياسي.

إن المغرب يمتلك من المؤسسات والكفاءات والطاقات ما يؤهله لتحويل هذه الأزمة إلى فرصة للمراجعة والإصلاح، شرط أن تكون المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، وأن يكون الإنسان المغربي، وكرامته، ومستقبله، في صدارة الأولويات.

فالوطن ليس مجرد حدود أو مؤسسات، بل هو الإنسان. والشباب ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم رأسمالها الحقيقي، وطاقتها للمستقبل، وأغلى ما تملك.

إن حماية صورة المغرب في الخارج تبدأ بحماية كرامة الإنسان في الداخل، وتعزيز الثقة، وتوسيع فرص الأمل والعمل والإبداع. فحين يشعر الشاب أن وطنه يؤمن به، ويمنحه فرصة عادلة، لن يرى في البحر بابًا للخلاص، بل سيجعل من وطنه نقطة انطلاق نحو النجاح.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يجمع كل المغاربة، لا أن يفرقهم: كيف نحول هذه الأزمة إلى بداية إصلاح حقيقي يضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، ويعيد إلى الشباب ثقتهم في وطنهم؟

فالحقائق لا يكشفها إلا التحقيق، والأزمات لا تعالج إلا بالحكمة، والأوطان لا تُبنى إلا بالمسؤولية، وسيادة القانون، والوفاء لمصلحة الوطن، لأن الوطن أمانة في أعناق الجميع، وشبابه هم حاضره ومستقبله.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5