ads980-90 after header
الإشهار 1

الزوايا المغربية بين الأمانة التاريخية ومسؤولية الحاضر قراءة وطنية وروحية في الجدل الدائر حول الحقل الديني بالمملكة

الإشهار 2

العرائش أنفو
الزوايا المغربية بين الأمانة التاريخية ومسؤولية الحاضر قراءة وطنية وروحية في الجدل الدائر حول الحقل الديني بالمملكة

بقلم: محمد اعبيدو
باحث فى التصوف
رئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن

ليست الزوايا في المغرب مجرد أبنية عتيقة أو مؤسسات دينية عابرة، وليست الطرق الصوفية مجرد حلقات ذكر أو تجمعات روحية محدودة، بل هي جزء أصيل من الذاكرة العميقة للأمة المغربية، وجزء من تاريخها الحضاري والروحي، ورافد أساسي من روافد هويتها الدينية والوطنية التي تشكلت عبر قرون طويلة من العلم والإيمان والجهاد والتربية والإحسان.
فحين نتحدث عن الزوايا، فإننا نتحدث عن تاريخ رجال عظام عمروا القلوب قبل أن يعمروا الأرض، وربطوا الإنسان بخالقه، والوطن بقيمه، والأمة برسالتها الحضارية. ونتحدث عن مدارس روحية ساهمت في صناعة الوجدان المغربي وحفظت للأمة وحدتها العقدية والمذهبية والروحية في أحلك الظروف وأصعب المراحل.
وفي خضم الجدل الذي أثير حول العلاقة بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والطريقة القادرية البودشيشية، تبدو الحاجة ملحة إلى العودة إلى جوهر القضية بعيداً عن لغة الاصطفاف والانفعال، واستحضار الصورة الكاملة للحقل الديني المغربي بكل مكوناته وتاريخه ورموزه.
لا خلاف في أن الزاوية القادرية البودشيشية تمثل اليوم إحدى أبرز الزوايا الصوفية بالمغرب والعالم الإسلامي، وأنها استطاعت خلال العقود الأخيرة أن تحقق إشعاعاً روحياً وفكرياً وثقافياً واسعاً داخل المغرب وخارجه. كما لا خلاف في أن أصلها يعود إلى الطريقة القادرية المنسوبة إلى القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، الذي انطلقت مدرسته من بغداد لتصل أنوارها إلى مختلف بقاع العالم الإسلامي.
غير أن الحديث عن التصوف في المغرب لا يكتمل دون استحضار المدرسة الشاذلية، التي تمثل أحد أعظم تجليات التصوف المغربي الأصيل، بل تعد من أبرز الهدايا الروحية التي قدمها المغرب للعالم الإسلامي عبر التاريخ.
فالمدرسة الشاذلية ليست مدرسة وافدة على المغرب، وإنما هي مدرسة مغربية الجذور والمنشأ والهوية، ارتبطت باثنين من كبار أقطاب الولاية والتربية والإحسان في تاريخ الإسلام: القطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، والقطب العارف بالله سيدنا أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه.
وكلاهما من أبناء شمال المغرب، وكلاهما نشأ على أرض المغرب المباركة، ونهل من معينها العلمي والروحي، قبل أن تمتد أنوار مدرستهما إلى مشارق الأرض ومغاربها.
فمولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، المدفون بجبل العلم، لم يكن مجرد شيخ زاوية أو رجل عبادة، بل كان أحد كبار مجددي التربية الروحية في عصره، حتى أصبحت حكمته وأنفاسه الروحية من أهم المراجع في التراث الصوفي الإسلامي. ومن مدرسته خرج تلميذه النجيب سيدنا أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، الذي حمل هذا المشعل الرباني ونشره في العالم الإسلامي، فكانت الطريقة الشاذلية التي أصبحت لاحقاً واحدة من أكبر وأوسع المدارس الصوفية انتشاراً وتأثيراً في التاريخ الإسلامي.
ومن رحم هذه المدرسة المغربية الأصيلة تفرعت مئات الطرق والزوايا والتجمعات الروحية في المغرب والمشرق وإفريقيا وآسيا وأوروبا، حتى أصبحت الشاذلية مدرسة عالمية كبرى تجمع ملايين المريدين والمحبين عبر مختلف القارات، وتؤكد أن المغرب لم يكن مجرد متلق للمعرفة الروحية، بل كان مصدراً ومنارة ومركز إشعاع حضاري وروحي للعالم الإسلامي بأسره.
ومن هنا فإن الإنصاف التاريخي يقتضي أن يُنظر إلى المشهد الصوفي المغربي في شموليته واتساعه وتنوعه، لا من زاوية واحدة مهما بلغت مكانتها، لأن قوة المغرب الروحية كانت دائماً في غناه وتعدده وتكامل مكوناته تحت سقف الثوابت الجامعة للأمة.
أما فيما يتعلق بالدكتور أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، فإن الإنصاف يقتضي كذلك التذكير بأن الرجل ابن لهذا التراث الروحي المغربي، ومعروف بقربه من التصوف ومن المدرسة القادرية البودشيشية، وهو ما يجعل من الصعب اختزال النقاش في صورة مواجهة بين الوزير والتصوف أو بين الدولة والزوايا.
فالوزير يمارس مهامه في إطار مؤسسة دستورية تضطلع بتدبير الشأن الديني للمملكة، ضمن منظومة متكاملة يقودها أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل الدستور المغربي من إمارة المؤمنين المرجعية العليا الضامنة لوحدة المذهب والعقيدة والثوابت الدينية للمملكة.
ومن ثم فإن أي نقاش مسؤول حول الحقل الديني ينبغي أن يستحضر هذه الحقيقة الجوهرية، وأن يبتعد عن الشخصنة أو الأحكام المتسرعة أو القراءات الاختزالية التي قد تحجب جوهر الموضوع.
إن المغرب في حاجة اليوم إلى رؤية وطنية متبصرة تعيد الاعتبار إلى جميع روافد إرثه الروحي، وتثمن أدوار الزوايا والطرق الصوفية والعلماء والمؤسسات الدينية، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون والتكامل بينها في خدمة الأمن الروحي للمغاربة.
فالمغرب الذي حافظ على توازنه واستقراره عبر القرون لم يكن يستمد قوته من مؤسساته فحسب، بل من رصيده الروحي العميق الذي صنعته الزوايا والمدارس العلمية وأهل التربية والإحسان، أولئك الذين عمروا القلوب بالإيمان، وربطوا الأرض بالسماء، وجعلوا من المحبة والوسطية وخدمة الوطن منهجاً متوارثاً جيلاً بعد جيل.
وإذا كانت الزوايا قد حفظت للأمة روحها، فإن إمارة المؤمنين حفظت وحدتها، وإذا كان العلماء قد صانوا عقيدتها، فإن الدولة المغربية حفظت استقرارها واستمراريتها. ومن هذا التكامل الفريد تشكلت الخصوصية المغربية التي جعلت من المملكة نموذجاً عالمياً في الاعتدال والتعايش والأمن الروحي.
ويبقى الأمل قائماً في أن تسمو النقاشات العمومية إلى مستوى تاريخ المغرب ورموزه ومؤسساته، وأن تنتصر الحكمة على الانفعال، والحقيقة على الإشاعة، والمصلحة الوطنية العليا على كل الاعتبارات الضيقة، حتى يظل المغرب وفياً لرسالته التاريخية، أرضاً للعلم والإيمان، وموطناً للمحبة والتسامح، ومنارة للإشعاع الروحي والحضاري في ظل إمارة المؤمنين، وحكمة العرش العلوي المجيد، ووحدة الشعب المغربي الأصيل.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5