العلاقات المغربية الإسبانية… بين شراكة استراتيجية وإرث تاريخي لم يُطوَ بعد

العرائش أنفو
العلاقات المغربية الإسبانية… بين شراكة استراتيجية وإرث تاريخي لم يُطوَ بعد
بقلم محمد اعبيدو
لم يعد خافياً أن العلاقات المغربية الإسبانية تعيش منذ سنوات مرحلة غير مسبوقة من التقارب السياسي والاستراتيجي، بعدما اختارت مدريد دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء. وقد فتح هذا التحول صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين، قائمة على الثقة المتبادلة، والمصالح المشتركة، والتعاون الأمني والاقتصادي والهجرة ومحاربة الإرهاب.
وجاء موقف وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بعدم التعليق على وفاة لحبيب محمد عبد العزيز، نجل زعيم جبهة البوليساريو السابق، ليؤكد مرة أخرى حرص مدريد على عدم الانجرار إلى محاولات توظيف الأحداث الإنسانية في الصراع السياسي، مفضلة التركيز على أولوياتها الاستراتيجية مع المملكة المغربية.
غير أن هذا التقارب، على أهميته، لا يمنع من طرح تساؤلات مشروعة حول بعض التناقضات التي لا تزال تطبع السياسة الإسبانية تجاه ملف الصحراء.
فإذا كانت مدريد تؤكد دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وإذا كانت تعتبر المغرب شريكها الأول في جنوب البحر الأبيض المتوسط، فلماذا لا تزال بعض الملفات العالقة تراوح مكانها؟.
ومن بين أكثر هذه الملفات إثارة للنقاش استمرار ترتيبات تاريخية تتعلق بإدارة المجال الجوي فوق أجزاء من الصحراء المغربية في إطار اتفاقيات الطيران المدني الدولية، وهو وضع يرى كثير من المغاربة أنه لم يعد ينسجم مع مستوى الشراكة السياسية الحالية، ويستدعي حوارًا ثنائيًا لتطويره بما ينسجم مع واقع العلاقات بين البلدين.
كما يثير استمرار دعم بعض الأحزاب الإسبانية، والمنظمات المدنية، والنقابات، لجبهة البوليساريو تساؤلات عديدة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة الإسبانية عن شراكة استراتيجية مع الرباط، تواصل بعض القوى السياسية داخل إسبانيا تبني مواقف مناقضة لهذا التوجه، سواء داخل البرلمان أو في الفضاء الإعلامي أو عبر أنشطة تضامنية مع الجبهة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه المواقف سياسة الدولة الإسبانية، أم أنها تعبير عن التعددية السياسية داخل المجتمع الإسباني؟.
إن قوة العلاقات بين الدول لا تقاس فقط بالتصريحات الرسمية، وإنما أيضًا بمدى انسجام مختلف الفاعلين مع التوجهات الاستراتيجية الكبرى، وبالقدرة على تجاوز الإرث التاريخي الذي خلفته عقود من سوء الفهم والتوتر.
لقد أثبت المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أنه شريك موثوق، يحترم التزاماته الدولية، ويؤمن بالحوار والتعاون، ويضع الأمن والاستقرار الإقليميين في صدارة أولوياته. كما أصبحت المملكة فاعلًا محوريًا في محاربة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، والطاقة، والاستثمار، والتعاون الإفريقي الأوروبي.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير العلاقات المغربية الإسبانية يقتضي الانتقال من مرحلة التصريحات السياسية إلى مرحلة معالجة الملفات العالقة بروح الشراكة الحقيقية، بما يضمن مزيدًا من الوضوح والثقة المتبادلة.
إن مستقبل البحر الأبيض المتوسط لن يبنى بمنطق الحسابات الظرفية، بل بمنطق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والصدق السياسي. وكلما تعزز هذا النهج، ازدادت قوة الشراكة المغربية الإسبانية، وتحولت إلى نموذج إقليمي للتعاون والاستقرار.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تستمر هذه الدينامية الإيجابية، وأن تترجم إلى خطوات عملية تعزز الثقة بين البلدين، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون، مع احترام القانون الدولي، ومراعاة المصالح الحيوية لكل طرف، بما يخدم الأمن والسلام والتنمية في المنطقة بأسرها.
