ليس كل ما نراه حقيقة

العرائش أنفو
ليس كل ما نراه حقيقة
فائق العبودي
منذ نحو عام زارني الأخ والصديق أبو يوسف، القادم من مدينة بازل في الجانب الألماني من سويسرا. جلسنا طويلًا نتبادل الحديث، وكان من بين ما تحدثنا عنه مشروعه الذي بذل فيه سنوات من عمره: مطعم عراقي بالعاصمة بيرن. كانت البداية ناجحة ومبشرة، لكن لاحقًا خذله من ظنّ فيهم الخير، فتراجع المشروع تدريجيًا حتى اضطر إلى إغلاقه رغم الخسائر الكبيرة. خرج من التجربة بدرس مؤلم: ليس كل من نحسن الظن به يستحق الثقة، وليس من السهل دائمًا كشف معادن الناس.
ولا أنسى موقفًا طريفًا حدث معه في ذلك اليوم، فقد طلب ان يشرب شايًا عراقيًا بالهيل، وكان عندي الهيل المطحون في قنينة صغيرة تشبه تمامًا قنينة الفلفل الأسود. ودون أن أنتبه، وضعت الفلفل بدل الهيل، وأحببت أن أكرمه بزيادة الهيل، فأكرمته بالفلفل.
ولأنني كنت أشرب شايًا بالأعشاب، لم أتذوق الشاي العراقي الذي قدمته له، لذلك لم أنتبه لجريمتي.
فشرب كوبه كاملًا بصمت حتى تفلفل ولم يعلّق، بل اكتفى بابتسامة ورفض الكوب الثاني بلطف، وهنا تذوقت الشاي الذي رفضه واكتشفت الكارثة؛ لم يكن بالهيل بل بالفلفل، طعم لا يُحتمل من شدة الحدة. عندها قلت له: لماذا لم تقل شيئًا؟ كان يقول أنه طيب، ولم يشأ أن يحرجني.
قلت له إذا أعجبك اشرب كوبًا آخر ….
فابتسم وقال: لا هذا يكفي…
وما حصل قبل أيام، كنت مع زوجتي في محطة القطارات في أمستردام بانتظار إصدار بطاقات السفر الشهرية، ونحن نقف في الدور، لفت انتباهي وجود عدد من الموظفات من أصول أفريقية، فخطر في ذهني انطباع سابق عام بأن التعامل مع بعضهم قد يكون صعبًا. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ كانت الموظفة التي خدمتنا في غاية اللطف والتعاون، بينما واجهت سيدة أخرى تعقيدًا غير مبرر من موظفة مختلفة. مرة أخرى أدركت أن الأحكام المسبقة كثيرًا ما تخذل صاحبها، وأن التجربة وحدها هي ما يكشف الحقيقة.
وعندما حدثتني ابنة خالي عن طيور الحب التي تربيها، وقد مات أحدها، فاشترت طائرين جديدين، فنصحها البائع أن تفصل الطائر القديم عنهما خشية أن يؤذوه. لكنها لم تفعل بسبب انشغالها… وبعد أيام اكتشفت أن الصورة كانت معكوسة تمامًا؛ لم يكن الطائر القديم هو الضحية، بل كان هو من يطردهما، ويأكل طعامهما، ويتركهما في زاوية القفص يرتجفان.
ضحكت وقلت لها: “هذا ليس طير حب… هذا طير حرب.”
ثم خطر لي أننا نحن البشر لا نختلف كثيرًا عن الطيور. كم مرة صدقنا التحذيرات عن الضعفاء، ثم اكتشفنا أن الخطر كان فيمن بدا مألوفًا ومطمئنًا! وكم مرة خدعتنا الأسماء، فظننا أن كل ما يحمل اسم “الحب” لا يعرف القسوة.
ربما لهذا ما زلت أتذكر ذلك الشاي العراقي المفلفل؛ فقد علّمني، كما علّمتني الحياة، أن الطعم الأول لا يكشف الحقيقة دائمًا، وأن الإنسان لا يُقاس بأول انطباع، بل بما تكشفه الأيام والمواقف. عندها فقط تظهر المعادن… بلا أقنعة..
