مونديال 2030… من ذاكرة الصراع إلى هندسة السلام

العرائش أنفو
مونديال 2030… من ذاكرة الصراع إلى هندسة السلام
هل يصبح المغرب وإسبانيا والبرتغال نموذجًا عالميًا للمصالحة التاريخية وبناء المستقبل المشترك؟
بقلم : محمد اعبيدو
ليست كل المواعيد التي يصنعها التاريخ حروبًا، وليست كل المنعطفات الكبرى تُرسم فوق خرائط المعارك. فهناك لحظات تكتبها إرادة الشعوب، حين تقرر أن تنظر إلى الماضي بعين الحكمة لا بعين الانتقام، وأن تحول الذاكرة من عبء يثقل الحاضر إلى رصيد أخلاقي وثقافي يساعد على صناعة المستقبل.
ومن هذا المنظور، فإن استضافة المغرب وإسبانيا والبرتغال لكأس العالم لكرة القدم سنة 2030 تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، لتصبح حدثًا حضاريًا وسياسيًا وإنسانيًا يحمل في طياته إمكانية فتح صفحة جديدة في تاريخ غرب البحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة عرفت عبر أكثر من ألف عام تعاقب الحضارات، وتبادل المعارف، وازدهار التجارة، كما عرفت أيضًا صراعات وحروبًا وتحولات كبرى تركت آثارها في الذاكرة الجماعية.
لقد كان مضيق جبل طارق، عبر التاريخ، معبرًا للجيوش كما كان معبرًا للأفكار، وللتجار والعلماء والرحالة والفنانين. ومن خلاله تشكلت واحدة من أكثر المناطق ثراءً في التاريخ الإنساني، حيث تفاعلت الحضارات الإسلامية والمسيحية واليهودية، وأسهمت مجتمعة في بناء تراث علمي وفلسفي وأدبي ومعماري ما تزال الإنسانية كلها تنتفع به.
وتبقى الأندلس إحدى أبرز المحطات في هذا التاريخ؛ فهي ليست مجرد مرحلة سياسية، بل تجربة حضارية تركت بصمتها في العلوم والطب والفلك والرياضيات والفلسفة والعمارة والموسيقى واللغة والزراعة، وأسهمت في انتقال المعارف بين ضفتي المتوسط. وفي المقابل، شهدت شبه الجزيرة الإيبيرية مراحل طويلة من إعادة تشكل الممالك المسيحية، وانتهت بسقوط غرناطة سنة 1492، وهو حدث غيّر موازين المنطقة وفتح فصلًا جديدًا من تاريخها.
ثم امتدت المنافسة السياسية والعسكرية إلى السواحل المغربية، حيث احتلت قوى إيبيرية عددًا من الثغور في مراحل مختلفة، بينما خاض المغرب معارك دفاعًا عن سيادته، وكان من أبرزها معركة وادي المخازن سنة 1578، التي شكلت محطة مفصلية في تاريخ المغرب والبرتغال وأوروبا، وأثبتت أن نتائج الحروب لا ترسمها القوة العسكرية وحدها، بل تصنعها أيضًا الإرادة والقيادة وحسن التدبير.
ومع ذلك، فإن التاريخ المشترك لا يمكن اختزاله في الحروب. فقد استمرت التجارة، وتواصلت الهجرات، وانتقلت الكلمات والألحان والأطعمة والأنماط المعمارية بين الضفتين، حتى أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في المغرب وإسبانيا والبرتغال. فالطرب الأندلسي، والفلامنكو، والعمارة، والحدائق، والحرف التقليدية، والروابط العائلية والثقافية، كلها شواهد على أن الحضارات، حتى في أوقات التوتر، لم تتوقف عن التأثير المتبادل.
واليوم، يقف الجيل الجديد أمام سؤال مختلف: هل نبقى أسرى تأويلات الماضي، أم نجعل من الذاكرة المشتركة منطلقًا لبناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا؟
إن مونديال 2030 يمنح الدول الثلاث فرصة نادرة للإجابة العملية عن هذا السؤال. فهو ليس فقط مشروعًا لتنظيم بطولة رياضية، بل يمكن أن يتحول إلى مشروع حضاري متكامل يعيد تعريف العلاقات المغربية الإيبيرية، ويجعل من البحر الأبيض المتوسط فضاءً للتعاون بدل التنافس، ومن مضيق جبل طارق جسرًا بين إفريقيا وأوروبا.
ولكي يتحقق ذلك، فإن المطلوب هو بناء إرث يتجاوز الملاعب، يقوم على إطلاق مبادرات مشتركة في مجالات التعليم والبحث العلمي، وإنشاء شبكة جامعات متوسطية لدراسة التاريخ المشترك، وإطلاق برامج لتبادل الطلبة والباحثين، وتشجيع الدراسات المقارنة، وإنجاز أعمال سينمائية ووثائقية تعكس تعددية الروايات التاريخية وتدعو إلى الفهم المتبادل.
كما يمكن استثمار هذا الحدث لإطلاق منتدى سنوي للحوار المغربي الإيبيري، يضم مؤرخين ومفكرين ورجال دين وفنانين ورياضيين وشبابًا من البلدان الثلاثة، بهدف مناقشة قضايا الذاكرة والهوية والتعايش، وتحويلها إلى مشاريع تعاون ملموسة.
ويستحق التراث الأندلسي والمتوسطي أن يكون محورًا لموسم ثقافي مشترك يمتد لسنوات، يشمل معارض ومهرجانات موسيقية وأدبية، ومسارات سياحية تربط المدن التاريخية في المغرب وإسبانيا والبرتغال، باعتبارها ذاكرة إنسانية مشتركة لا تخص شعبًا واحدًا، بل تمثل جزءًا من التراث العالمي.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمكن أن يكون مونديال 2030 نقطة انطلاق لشراكة استراتيجية جديدة بين إفريقيا وأوروبا، عبر تعزيز الربط البحري والجوي، وتطوير مشاريع البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار والابتكار، والتعاون في مجالات الطاقة المتجددة والاقتصاد الأزرق والأمن الغذائي والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
أما على المستوى الإنساني، فإن التحديات المشتركة، مثل الهجرة، والتغير المناخي، والأمن البحري، والتنمية المستدامة، تتطلب حلولًا جماعية تقوم على المسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل، لا على منطق المواجهة أو تبادل الاتهامات.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها، بل تشمل الجامعات، والمؤسسات الثقافية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والرياضيين، والمبدعين، لأن صناعة السلام مشروع مجتمعي قبل أن تكون قرارًا سياسيًا.
ولعل الخطوة الأكثر رمزية هي إطلاق “إعلان الدار البيضاء – مدريد – لشبونة للمصالحة التاريخية والتعاون الأورومتوسطي”، باعتباره وثيقة أخلاقية وثقافية تؤكد الالتزام بقيم الحوار والاحترام المتبادل، وتشجع على دراسة التاريخ بروح علمية، وترفض توظيف الذاكرة لإحياء الكراهية، وتدعو إلى جعل الرياضة والثقافة والعلم أدوات للتقارب بين الشعوب.
كما يمكن التفكير في إنشاء مركز أورومتوسطي للحوار والذاكرة المشتركة، يتخذ من إحدى المدن التاريخية مقرًا له، ويعمل على حفظ التراث، وتشجيع البحث الأكاديمي، وإطلاق برامج للشباب، وتنظيم مؤتمرات سنوية حول مستقبل التعاون بين ضفتي المتوسط.
إن العالم، وهو يتابع مونديال 2030، لن ينظر فقط إلى جودة التنظيم أو روعة الملاعب، بل سيتابع أيضًا الرسالة التي تحملها الدول المنظمة. فإذا نجحت في تحويل هذا الحدث إلى مشروع حضاري وإنساني، فإنها ستقدم نموذجًا عالميًا يؤكد أن التاريخ، مهما كان معقدًا، يمكن أن يصبح مصدرًا للحكمة لا للعداء، وأن الجغرافيا يمكن أن تكون جسرًا لا حاجزًا.
إن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما حققته في الماضي، بل بقدرتها على تحويل دروس ذلك الماضي إلى مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا وازدهارًا. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام المغرب وإسبانيا والبرتغال في أفق عام 2030.
فليكن مونديال 2030 بداية عهد جديد، لا تُطوى فيه صفحات التاريخ، بل تُقرأ بوعي وإنصاف، ويُستفاد منها لبناء شراكة متوسطية وإفريقية وأوروبية تجعل من الإنسان، وكرامته، وحريته، وتعاونه، القيمة العليا التي تلتقي حولها الشعوب.
وحين يُرفع كأس العالم في صيف 2030، قد يكون الإنجاز الأكبر ليس اسم المنتخب الفائز، بل نجاح ثلاث دول وثلاثة شعوب في تقديم برهان للعالم أن المصالحة مع الذاكرة ليست حلمًا مستحيلًا، وأن السلام ليس شعارًا، بل مشروع حضاري يبدأ بالاعتراف بالماضي، ويترسخ بالحوار، ويزدهر بالتعاون، ويثمر مستقبلًا مشتركًا للأجيال القادمة.
