الانتخابات التشريعية 2026 بين هجرة الشباب وعودة الوجوه نفسها… أي مستقبل للديمقراطية المغربية ؟

العرائش أنفو
الانتخابات التشريعية 2026 بين هجرة الشباب وعودة الوجوه نفسها… أي مستقبل للديمقراطية المغربية ؟
بقلم محمد اعبيدو
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يتجدد النقاش الوطني حول مستقبل الحياة السياسية بالمغرب، وحول قدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة. ويبرز سؤال محوري يفرض نفسه بإلحاح: هل ستكون هذه الانتخابات بداية لمرحلة جديدة تقوم على تجديد النخب والكفاءات، أم أنها ستعيد إنتاج الوجوه نفسها التي هيمنت على المشهد السياسي لعقود، أو تورث مواقعها لأفراد من عائلاتها، في استمرار لمنطق احتكار التمثيل السياسي؟
لقد أصبح قطاع واسع من المغاربة يشعر بأن المشهد الانتخابي يعيد نفسه في كل محطة، فتتكرر الأسماء والخطابات والوعود، بينما تتراكم التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتتسع الهوة بين المواطن والعمل الحزبي. ولم يعد السؤال يتعلق بمن سيفوز بالمقاعد البرلمانية، بل بمن يستطيع أن يعيد للمغاربة الإيمان بأن السياسة يمكن أن تكون وسيلة للإصلاح وخدمة الصالح العام.
وقد كشفت السنوات الأخيرة عن أزمة حقيقية في إنتاج النخب داخل عدد من الأحزاب السياسية. فبدل الاستثمار في تكوين المناضلين وتأهيل الشباب وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية، ما تزال بعض التنظيمات تعتمد على استقطاب الأعيان وأصحاب المال والنفوذ باعتبارهم أصحاب حظوظ انتخابية أكبر، وهو خيار يثير نقاشاً واسعاً حول مدى انسجامه مع مبادئ الديمقراطية وتكافؤ الفرص، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العمل الحزبي ودوره في صناعة القيادات السياسية.
كما تعود مع كل استحقاق انتخابي ظاهرة الترحال السياسي، حيث ينتقل بعض المنتخبين بين الأحزاب بحثاً عن التزكيات أو تحسين مواقعهم الانتخابية، بما يعمق شعور المواطنين بأن المصالح الشخصية أصبحت، في بعض الحالات، تتقدم على الالتزام بالمبادئ والبرامج والرؤى السياسية.
وفي المقابل، يجد كثير من الشباب أنفسهم خارج دوائر القرار، رغم أنهم يمثلون الأغلبية الحيوية داخل المجتمع. ويزداد هذا الإحساس مع ما كشفت عنه الأحداث الأخيرة، بما فيها محاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة، والتي عكست لدى كثير من المتابعين حجم القلق الذي يعيشه جزء من الشباب بشأن مستقبله وآفاقه. وهي مؤشرات تستدعي قراءة عميقة، والعمل على تعزيز فرص الأمل والمشاركة والاندماج، بدل الاكتفاء بالمقاربات الظرفية.
إن المغرب، وهو يستعد لاستحقاقات وطنية ودولية كبرى في أفق 2030، يحتاج إلى نخب سياسية تمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية، وقادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية، والدفاع عن مصالح الوطن بروح المسؤولية والابتكار. ولا يمكن تحقيق ذلك إذا بقيت الساحة السياسية رهينة للأسماء نفسها، أو خاضعة لتأثير شبكات النفوذ والمال والاعتبارات الانتخابية الضيقة.
إن تجديد الحياة السياسية لا يعني إقصاء أصحاب التجربة، بل يعني تحقيق التوازن بين الخبرة والتجديد، وفتح المجال أمام الطاقات الشابة والكفاءات الوطنية، وتمكينها من المساهمة في تدبير الشأن العام على أساس الاستحقاق والكفاءة وخدمة المصلحة العامة.
لقد أصبح المواطن المغربي يتطلع إلى برلمان يعكس تطلعات المجتمع، وإلى أحزاب تمارس الديمقراطية داخل هياكلها قبل أن تطالب بها خارجها، وتمنح الأولوية للكفاءة والنزاهة والالتزام، لا للنفوذ أو القدرة المالية.
إن انتخابات 2026 تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، وبين الشباب والأحزاب، وبين المجتمع ومؤسساته المنتخبة. فنجاح هذا الموعد الديمقراطي لن يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب، وإنما بمدى قدرتها على تقديم وجوه جديدة، وأفكار جديدة، وممارسات جديدة، تستجيب لتطلعات المغاربة وتواكب طموحات المملكة في المستقبل.
فالأمم التي تتجدد نخبها تتجدد معها آمال شعوبها، أما استمرار تدوير الوجوه نفسها، أو توارث المسؤوليات داخل الدوائر ذاتها، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالإحباط، في وقت يحتاج فيه المغرب أكثر من أي وقت مضى إلى نفس سياسي جديد، وإلى كفاءات مؤمنة بالإصلاح، وقادرة على بناء جسور الثقة والأمل بين الدولة والمجتمع، في إطار احترام المؤسسات وسيادة القانون وخدمة الوطن والمواطن.
