ads980-90 after header
الإشهار 1

الهجرة… عندما يصبح البحث عن الحياة جريمة، ويغدو الوطن حلماً بعيداً

الإشهار 2

العرائش أنفو

الهجرة… عندما يصبح البحث عن الحياة جريمة، ويغدو الوطن حلماً بعيداً

بقلم : محمد اعبيدو

ليست الهجرة مجرد انتقال من وطن إلى آخر، ولا مجرد عبور للحدود أو تغيير لمكان الإقامة. إنها في كثير من الأحيان صرخة إنسان يبحث عن الحياة، ورحلة مضنية يخوضها الإنسان هرباً من الجوع والخوف والحروب والفقر واليأس، وسعياً إلى الأمن والكرامة والعمل والتعليم والعلاج ومستقبل أفضل لأبنائه.

لقد أكدت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان أن لكل إنسان الحق في حرية التنقل ومغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إليه. غير أن هذا الحق يصطدم في الواقع باعتبارات سيادة الدول وسياساتها المتعلقة بحماية الحدود وتنظيم الهجرة، فتتحول الحدود في أحيان كثيرة إلى خطوط فاصلة بين عالمين: عالم يفيض بالثروة والفرص، وعالم يكافح من أجل البقاء.

إن المهاجر لا يترك وطنه لأنه يكره أرضه أو يتنكر لهويته، بل لأن الظروف قد تضيق به حتى يصبح الرحيل آخر ما يملك من أمل. فلا أحد يخاطر بحياته في الصحارى والبحار إذا كان يجد في وطنه خبزاً وكرامةً وأمناً ومستقبلاً.

الهجرة في جوهرها ليست أزمة أمنية فحسب، بل هي قبل كل شيء قضية إنسانية وتنموية وأخلاقية. فخلف كل قارب متهالك قصة أسرة، وخلف كل مهاجر حلم طفل، وخلف كل جثة يلفظها البحر مأساة كان يمكن تجنبها لو توفرت شروط العيش الكريم.

ولا يمكن فهم ظاهرة الهجرة بمعزل عن التفاوت الكبير في مستويات التنمية بين دول الشمال الصناعي ودول الجنوب. فهناك فجوة هائلة في فرص العمل، والدخل، والتعليم، والرعاية الصحية، والبحث العلمي، والبنية التحتية، تجعل ملايين البشر يشعرون بأن مستقبلهم يوجد خلف الحدود.

ويرى كثير من الباحثين والمفكرين أن جزءاً من هذا التفاوت يرتبط بإرث الاستعمار الذي استنزف ثروات العديد من بلدان الجنوب، كما يرتبط بأنماط غير متكافئة في الاقتصاد العالمي والتبادل التجاري والمديونية، وهي عوامل أسهمت في استمرار الفقر والتبعية في عدد من الدول. وفي المقابل، يشير آخرون إلى أن أسباب الهجرة متعددة، وتشمل أيضاً ضعف الحكامة، والنزاعات، والفساد، وسوء توزيع الثروات، وتحديات التنمية الداخلية.

كما أصبحت التغيرات المناخية عاملاً متزايد الأهمية في دفع السكان إلى الهجرة. فالجفاف والتصحر ونقص المياه وتراجع الإنتاج الزراعي يهددون الأمن الغذائي لملايين البشر. وتشير التقارير العلمية إلى أن الانبعاثات الصناعية المتراكمة تاريخياً، والتي جاء الجزء الأكبر منها من الدول الصناعية، أسهمت بصورة كبيرة في تغير المناخ، بينما تتحمل الدول الفقيرة في كثير من الأحيان القسط الأكبر من آثاره، رغم أن مساهمتها في هذه الانبعاثات كانت محدودة.

إن الطفل الذي يغادر مدرسته بسبب الفقر، والمريض الذي لا يجد علاجاً، والشاب الذي يفقد الأمل في العمل، والأم التي تخشى على أطفالها من الجوع، جميعهم لا يبحثون عن الرفاهية، بل يبحثون عن أبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة، والحق في الكرامة، والحق في التعليم، والحق في الصحة، والحق في مستقبل يليق بإنسانيتهم.

ومن هنا، فإن معالجة الهجرة لا تكون ببناء مزيد من الجدران والأسلاك، ولا بالاكتفاء بالمقاربات الأمنية، بل بإقامة شراكة دولية أكثر عدلاً، تقوم على التنمية المشتركة، والاستثمار في الإنسان، ونقل المعرفة، واحترام الكرامة الإنسانية، والحد من الفوارق الاقتصادية، والتكيف مع آثار التغير المناخي، ومعالجة جذور الفقر والصراعات.

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الخوف من المهاجرين، بل إلى مزيد من العدالة التي تجعل الهجرة خياراً حراً لا ضرورة قاسية. فالإنسان لا يولد مهاجراً، وإنما تصنعه الظروف عندما تعجز الأوطان عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه ضمير الإنسانية: هل المطلوب أن نحاكم من يهرب من الجوع، أم أن نحاكم الجوع نفسه؟ وهل المشكلة في الإنسان الذي يبحث عن الحياة، أم في نظام عالمي ما زال يسمح بأن يعيش بعض البشر في وفرة هائلة، بينما يموت آخرون عطشاً أو جوعاً أو غرقاً وهم يحلمون فقط بفرصة للحياة؟

إن الهجرة ليست جريمة، ولا ينبغي أن يُنظر إلى المهاجر باعتباره تهديداً في المقام الأول، بل إنساناً له حقوق وكرامة، يحتاج إلى الحماية والإنصاف. وعندما يصبح العدل أكثر حضوراً، والتنمية أكثر توازناً، والسلام أكثر رسوخاً، سيكتشف العالم أن أفضل سياسة للهجرة ليست إغلاق الأبواب، بل فتح أبواب الأمل داخل أوطان الناس، حتى يبقوا فيها بإرادتهم، لا أن يغادروها اضطراراً.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5