وادي رمضوار ببني شيكر ثروة فلاحية و بيئية تحتاج إلى مشروع تنموي متكامل

العرائش أنفو
وادي رمضوار ببني شيكر ثروة فلاحية و بيئية تحتاج إلى مشروع تنموي متكامل
تقرير: كمال سليمان سليماني _رئيس جمعية ثاويزا آيت شيشار_
يُعد وادي رمضوار بجماعة بني شيكر، إقليم الناظور، واحداً من المجالات الطبيعية و الفلاحية المهمة بالمنطقة، لما يزخر به من مؤهلات زراعية و موارد مائية و مجالات رعوية و بيئية، فضلاً عن تنوعه الطبيعي و إمكاناته الكبيرة في مجال السياحة الإيكولوجية و الثقافية.
غير أن هذه المؤهلات، رغم أهميتها، ما تزال في حاجة إلى رؤية تنموية متكاملة تستهدف تثمين المنطقة، و تحسين ظروف عيش الفلاحين و الساكنة، و حماية المجال الطبيعي من التدهور و الإنجراف و الفيضانات، و تحويل الوادي إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية.
وادٍ فلاحي يحتاج إلى تثمين حقيقي:
تشكل الأراضي المحاذية لوادي رمضوار مجالاً مهماً لممارسة الأنشطة الفلاحية و الزراعية، حيث يعتمد عدد من الفلاحين على هذه الأراضي و على الموارد المائية المتوفرة بها في إنتاج مختلف المحاصيل و تربية الماشية.
لكن ضعف البنيات و التجهيزات الفلاحية، و محدودية وسائل تدبير المياه، و تضرر بعض الأراضي و المسالك بفعل السيول و الفيضانات، كلها عوامل تحد من قدرة الفلاحين على تطوير إنتاجهم و تحسين مردوديتهم.
و من هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق مشروع تنموي خاص بوادي رمضوار، يقوم على تأهيل المجال الفلاحي و المائي و حماية الأراضي و تحسين البنيات التحتية المرتبطة بالنشاط الزراعي.
حماية ضفاف الوادي من الفيضانات و السيول:
من الأولويات الأساسية التي ينبغي أن يحظى بها الوادي تهيئة و تقوية ضفافه و المناطق الأكثر عرضة للفيضانات و السيول، بما يحمي الأراضي الفلاحية و الممتلكات و المسالك، و يحد من الخسائر التي يمكن أن تسببها التساقطات المطرية القوية.
كما أن إنجاز منشآت صغيرة لتدبير مياه الأمطار و السيول يمكن أن يساهم في تخزين جزء من هذه المياه و إستعمالها لاحقاً في الري، بدل ضياعها خلال فترات التساقطات.
صيانة السقيات و تطوير شبكة الري:
يمثل نظام السقي التقليدي جزءاً مهماً من الحياة الفلاحية بالمنطقة، غير أن بعض السقيات تحتاج إلى الصيانة و التأهيل و إعادة التنظيم.
لذلك، فإن إصلاح السقيات القائمة و توسيعها و تأهيل قنوات الري من شأنه أن يساعد على ترشيد إستعمال المياه، و ضمان إستفادة أكبر عدد ممكن من الفلاحين، و تحسين مردودية الأراضي الزراعية.
كما يمكن إعتماد تقنيات حديثة و موفرة للمياه، خصوصاً الري بالتنقيط، بما يتلاءم مع طبيعة الأراضي و الإمكانات المتاحة.
حفر الآبار و توفير المياه للماشية و الضيعات:
من بين المطالب الأساسية كذلك العمل على حفر و تجهيز آبار مائية في المواقع المناسبة، وفق دراسة تقنية تحترم الموارد المائية و البيئية، بهدف توفير المياه للماشية و مساعدة الفلاحين على سقي ضيعاتهم.
و ينبغي أن يتم ذلك ضمن تصور متكامل لتدبير الموارد المائية، يضمن إستدامتها و يحافظ عليها للأجيال القادمة، مع تشجيع حلول تخزين مياه الأمطار و إعادة إستعمالها كلما أمكن ذلك.
الجسور و المسالك ضرورة لفك العزلة عن الفلاحين:
يعاني النشاط الفلاحي في بعض المناطق من صعوبات مرتبطة بالوصول إلى الأراضي الزراعية، خصوصاً عند إرتفاع منسوب مياه الوادي.
و من شأن إنجاز جسور و قناطر و مسالك فلاحية مناسبة أن يسهل حركة السكان و الفلاحين، و يمكّنهم من الوصول إلى ضيعاتهم، و نقل المعدات و الآليات، و تسويق و نقل المنتجات و المحاصيل الزراعية.
فالبنية التحتية ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل هي جزء أساسي من الدورة الإقتصادية للفلاح، من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة التسويق.
التشجير حماية للأرض واستثمار للمستقبل:
تُعد الأراضي المهددة بالإنجراف من المجالات التي تستوجب تدخلاً عاجلاً، خصوصاً في المناطق المنحدرة و المجاورة لمجاري المياه.
و من هنا تبرز أهمية إطلاق برنامج واسع للتشجير و مكافحة إنجراف التربة، بإعتماد أصناف ملائمة للبيئة المحلية و قادرة على مقاومة الجفاف، مع إشراك الفلاحين في هذا البرنامج.
و لا ينبغي أن يقتصر التشجير على الجانب البيئي فقط، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل إضافي للفلاحين، من خلال غرس أشجار مثمرة أو أنواع ذات قيمة اقتصادية، بما يسمح لهم بالإستفادة من ثمارها و منتجاتها على المدى المتوسط و البعيد.
الأعين المائية و السدود الصغيرة تخزين الماء قبل ضياعه:
تزخر المنطقة ببعض الأعين و المنابع المائية التي يمكن أن تشكل جزءاً من منظومة محلية لتدبير المياه.
و يمكن العمل على تهيئة بعض الأعين المائية و حمايتها، و إنجاز سدود تلية صغيرة و حواجز مائية في المواقع المناسبة، و ربطها بأنظمة السقي، بما يساعد على تخزين المياه خلال فترات التساقطات و استعمالها خلال فترات الجفاف.
مثل هذه المشاريع، إذا أُنجزت وفق دراسات تقنية و بيئية دقيقة، يمكن أن توفر حلولاً محلية و مستدامة لمشكلة المياه، و أن تعزز صمود الفلاحة أمام التغيرات المناخية.
دعم الفلاحين بمشاريع مدرة للدخل:
لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية للوادي دون وضع الفلاح في قلب المشروع التنموي.
لذلك، ينبغي أن يترافق تأهيل البنية التحتية مع برامج لدعم الفلاحين عبر مشاريع مدرة للدخل، و تشجيع التعاونيات الفلاحية، و تثمين المنتجات المحلية، و تحسين طرق الإنتاج و التخزين و التلفيف و التسويق.
كما يمكن تشجيع مشاريع مرتبطة بتربية المواشي، و تثمين المنتجات الزراعية، و إنتاج العسل، و الأعشاب و النباتات العطرية و الطبية، و غيرها من الأنشطة التي يمكن أن توفر دخلاً إضافياً للأسر.
و الهدف ليس فقط زيادة الإنتاج، و إنما تحسين جودة المنتجات ورفع قيمتها الإقتصادية و ضمان مردودية أفضل للفلاح، بما يساهم في تحقيق العيش الكريم و الإستقرار الإقتصادي و الإجتماعي للساكنة.
وادي رمضوار ثروة إيكولوجية تستحق الحماية:
لا تقتصر أهمية وادي رمضوار على النشاط الفلاحي، بل يمتلك أيضاً مؤهلات بيئية و طبيعية تجعل منه مجالاً قابلاً للتثمين الإيكولوجي.
فالمنطقة تضم تنوعاً في الكائنات الحية، من الحيوانات البرية و المائية و الطيور المحلية و المهاجرة، إضافة إلى أنواع متعددة من النباتات التي يمكن أن تكون لها فوائد بيئية و علاجية و طبية.
وهذا التنوع الطبيعي يمثل ثروة حقيقية ينبغي حمايتها من التلوث و الإستغلال العشوائي و التدهور البيئي، مع العمل على إعداد تصور علمي لتوثيق مكونات المجال الطبيعي و التعريف بها.
من المجال الطبيعي إلى وجهة للسياحة الإيكولوجية:
يمكن أن يشكل وادي رمضوار مستقبلاً مجالاً واعداً للسياحة الإيكولوجية، خصوصاً إذا تم الحفاظ على طبيعته و تأهيل بعض المسارات و المواقع بطريقة تحترم خصوصية المجال.
و يمكن التفكير في إنشاء مسارات للمشي و الإستكشاف، و نقاط للمشاهدة، و فضاءات للتعريف بالتنوع البيولوجي، إلى جانب تشجيع السياحة القروية و المشاريع الصغيرة المرتبطة بالضيافة و المنتجات المحلية.
كما يمكن إشراك أبناء المنطقة في هذه الأنشطة، حتى تصبح السياحة وسيلة لخلق فرص إقتصادية جديدة بدل أن تكون مجرد نشاط موسمي.
الثقافة المحلية و التراث ذاكرة المكان و رافعة للتنمية:
إلى جانب الطبيعة و الفلاحة، يحمل المجال المحيط بوادي رمضوار رصيداً من الثقافة المحلية و العادات و التقاليد و الحكايات و الموروث الشفهي، فضلاً عن مواقع طبيعية و تراثية يمكن أن تشكل عناصر مهمة في بناء منتوج سياحي متكامل.
فالسائح اليوم لا يبحث فقط عن المناظر الطبيعية، و إنما عن تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة و الثقافة و المطبخ المحلي و المنتجات التقليدية و الذاكرة التاريخية للمكان.
و من شأن تثمين هذا الرصيد الثقافي و التراثي أن يساهم في التعريف بالمنطقة و بخصوصيتها، و خلق فرص جديدة أمام الشباب و النساء و التعاونيات المحلية.
نحو رؤية جديدة لوادي رمضوار:
إن وادي رمضوار لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط بإعتباره مجرى مائياً أو مجالاً زراعياً محدوداً، بل بإعتباره منظومة تنموية متكاملة تجمع بين الفلاحة و الماء و البيئة و الثقافة و السياحة.
و من هذا المنطلق، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى إعداد دراسة شاملة و مندمجة لوادي رمضوار تحدد مؤهلاته و إكراهاته، و تضع أولويات التدخل، و تحدد المشاريع القابلة للإنجاز، و مصادر التمويل و الشركاء المحتملين.
إن الإستثمار في وادي رمضوار هو إستثمار في الفلاح، و في الأرض، و في الماء، و في البيئة، و في مستقبل الأجيال القادمة.
و المطلوب اليوم هو الإنتقال من مرحلة الحديث عن مؤهلات المنطقة إلى مرحلة الفعل و التخطيط و التنفيذ، من خلال مشروع تنموي واضح، تشارك فيه جماعة بني شيكر و السلطات المحلية و المؤسسات العمومية و المنتخبون و المجتمع المدني و الفلاحون و ساكنة المنطقة.
فإذا تم إستثمار مؤهلات وادي رمضوار بطريقة عقلانية و مستدامة، يمكن لهذا المجال أن يتحول من منطقة تعاني من مجموعة من الإكراهات إلى رافعة حقيقية للتنمية الفلاحية و البيئية و السياحية بجماعة بني شيكر، و مثال على إمكانية تحويل الموارد المحلية إلى فرص حقيقية للعيش الكريم و التنمية المستدامة.
