الحجر الصحي من وجهة نظر الفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهيلم لايبنيز (الجزء الأول)

العرائش أنفو
الحجر الصحي من وجهة نظر الفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهيلم لايبنيز (الجزء الأول)
أحمد رباص
إذا كان لا بد من وضع خطاطة للتنظيم الغريب الذي تم فرضه منذ منتصف مارس الماضي، وهو التاريخ الذي تقرر فيه الحجر، فيمكننا أن نستعير من لايبنيز خطاطة المونادولوجيا.
ما هي الخصائص النظامية لتكوين مجتمع الحجر؟ لنحاول وصفها منذ البداية .
أولاً، كل شخص معزول في منزله، بدون باب أو نافذة لأنه لم يعد يُسمح له بالخروج إلا من أجل جلب ما يقيم به أوده. نشهد الآن فضأنة الدوغما الليبرالية لتعزيز الفرد وتذرير المجتمع: عدة أنوية مستقلة عن بعضها، ولكن تشكل عالما من وجهة نظرها: على الأقل هي مجموع وجهات النظر التي هي العالم.
– نوافذ متناقضة
إذا كان الأفراد مفصولين وسط أربعة جدران، فإنهم مع ذلك يستمرون في الارتباط الذي أصبح ممكنا بطبيعة الحال بفضل القنوات الإخبارية التي تركز على الخبر وتوزعه، ولكن بشكل أساسي عن طريق الشبكات الاجتماعية، فيسبوك، واتساب، إنستاغرام ، إلخ..
للانتماء إلى الشبكة، من الضروري الاتصال عبر شاشة، نافذة متناقضة على العالم، لأنها تظهر بقدر ما تخفي، تخفي (هذه هي وظيفة أي شاشة) وتظهر ( كفضاء للعرض أو كواجهة). إنها للوهلة الأولى وساطة: ولكن ربما لم يعد هناك شيء آخر للتوسط له، ربما الشاشة في طريقها إلى أن تصبح واقعا، وسنكون مضغوطين بشدة من أجل اكتشاف ما يوجد وراء الشاشات، ستجعل على الأقل ما هو مخفي مرئيا، ومن ثمة سيظهر من خلال الشاشة.
في الواقع، يتميز حدث جوفيد-19 برؤية غير مسبوقة، حتى عندما يكون كل واحد محجورا في منزله، وأفقه الوحيد هو جدار جاره، أو الشارع، أو الفناء، أو سور الحديقة بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في البادية.
-إعادة تشكيل الحداثة
قماش منسوج يضمن شكلا أفقيا للارتباط، من المؤكد أنه مخترق بانتظام برسائل من الأعلى، من الحكومة، تؤكد من جديد عمودية وهيئة مقررة، أمرا ليس فقط تنظيما طارئا (نظام الشبكة)، ولكن أيضا أمرا ينظم (الأمر المعطى، أمر القيادة) يفترض أن يحتفظ بمبدإ علته في حد ذاته… (ولكنه قبل كل شيء معزز بمشورة الخبراء، الذين هم الأطباء في هذه اللحظة).
تنظيم ونظام، عمودية، ولكن قبل كل شيء أفقية، هذه هي إحداثيات النظام، وهي إحداثيات قديمة بالفعل ولكنها خضعت للتهذيب. لكن هذه الإحداثيات أزاحت بُعد الفضاء، الذي تم اختزاله بدوره إلى نظام (تنظيم). يتم تقاسم نقط الشبكة دون تغيير المكان، فضاء مثالي، مثل الفضاء اللايبنيزي.
من المسلم به أن هذا التشكيل المتطرف ولد من أزمة كوفيد-19، ولكن أليس هو حقيقة تشكيل حداثتنا، وحياتنا الحضرية تحديدا؟
– التشكيل الميتافيزيقي
عند لايبنيز، هذا التشكيل ميتافيزيقي: لا يتعلق الأمر بتنظيم طارئ، سياسي، تاريخي أو تفاعلي تجاه وباء ما، بل حقا بوجود العالم، بوجود المونادات، بالطريقة الوحيدة الممكنة للوعي بهذا العالم. هذا العالم وجميع العناصر التي يتكون منها ليست عقلانية فحسب، بل لها علة وجود. ذلك هو ما يبرر الله، الذي يتجلى كماله في العالم.
اليوم نحن بعيدون عن المعنى الأكسيولوجي (القيمي) للنظام، كما أننا بعيدون أيضا عن أي شكل من أشكال التبرير أو الربوبية التي حفل بها المشروع اللايبنيزي. ومع ذلك، من الجدير بالملاحظة أن الخطاطة التي رسمها بشكل جيد تجعل من الممكن نمذجة المجتمع الذي ننتمي إليه. حتى أنه يمكننا أن نفترض أن الأمر لا يتعلق، بالنسبة لنا، بتنظيم طارئ للاجتماعي، لكن حقيقته في حد ذاته هي نتيجة لإيديولوجيا عميقة: لقاء الميثاق الليبرالي بالعقلانية العلمية.
لنرى الآن كيف وصل لايبنيز انطواء المونادات على ذاتها بتنظيم العالم.
أحد تحديات المونادولوجيا هو التفكير معا في التنوع والانسجام. المشكلة في مثل هذه المشروع الفلسفي هي بالطبع معرفة من أين يمكن أن يتشكل هذا الوصف: هل الراصد هو أحد نقاط النسق؟ ولكن كيف يمكن فهم الكل؟ وإذا كان كلا، فهل يمكنه التقاط التفاصيل؟ ولكن قبل أي شيء، بأي حق وضع نفسه مكان الله؟
على هذه الأسئلة، يبدو أن منطق الشبكة يقدم إجابات، على شكل خطاطة على الأقل. كل نقطة ضرورية للشبكة، تشارك في تكوينها، لها ولوج غير محدود تقريبا انطلاقا من موقعها، ومع ذلك فهي تعتمد كليا على النقاط الأخرى، حيث أن النسق هو مجموع الروابط التي تمنح كل نقطة وضع محفز، مساهم، نهائي أو عابر.
أكيد أنه سيكون من الصعب استخدام التعريف اللايبنيزي للمونادا لإدراك “الفرد” المعاصر، حتى لو كان بإمكاننا جرد الأنساب التي تتطلب استدعاء تاريخ ثقيل – هذا ليس هدفنا ها هنا. لن تكون ثيودسا لايبنيز كنظام أخلاقي مفيدة جدا لنا لقراءة الوضع الحالي، رهان الفيلسوف الألماني ليس هو نفسه بالنسبة لنا، وأدواته الميتافيزيقية أيضا. ومع ذلك، أبدع تصورا يمكن تصديره.
يتبع
عن theconversation.com
