الفايسبوك في زمن الكورونا

العرائش أنفو
الفايسبوك في زمن الكورونا
في ظل التباعد الإجتماعي الذي فرضته جائحة الكورونا19 صار الإقبال كبيرا على وسائل التواصل الإجتماعي المتعددة و التي يتبوأ الفايسبوك صدراتها، حيث تجمعنا حياة إجتماعية بمعية العديد من الأصدقاء الذين قد يصل عددهم إلى 5000 صديق، ممن يحملون أفكارًا وتخصصات وتوجهات وعادات وتقاليد و أعراف و هويات متنوعة، فكل واحد من هؤلاء يبوح و يعبر عبر تلك الشبكة بمشاعره وأحاسيسه وأفعاله وسلوكياته وتصرفاته في الحياة اليومية، وكل شخص يحاول أن يظهر بالوجه الحسن، بحيث تشعر أن الغالبية العظمى من أصدقائك عبر تلك الشبكة هم أناس طيبون يحبون الخير، ويتصرفون بلباقة، وهم من أفضل الأشخاص في المجتمع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل حقا تتشابه سلوكياتهم الإفتراضية مع تلك التي تصدر عنهم في حياتهم الواقعية؟ سؤال أنت وحدك من تعلم إجابته، فلو أنك تفحصّت واقعهم الفعلي لوجدت عكس ما كنت تتوقع مع استثناءات قليلة، فتجد أن حياتهم الواقعية تخلو من الأهداف والطموحات، وهم من الأشخاص الذين يتخذون من هذه الشبكة فقط مكانًا لإضاعة الوقت، ولأجل التفريغ عن نفسياتهم المحبطة أملًا في تحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه في الحياة الواقعية ولو لفترة مؤقتة، أو لأجل الهروب من مشاكل حياتهم الفعلية التي لم يكن بمقدورهم مواجهتها والتغلب عليه، هذا دون استثناء اولائك الذين جعلوا من هذه الشبكة وسيلة للتعلم و التواصل و نشر الأخبار و توصيل أفكارهم.
لو رجع بنا الزمان للوراء قليلًا، لأدركنا قيمة التواصل الإجتماعي الحقيقي والفعلي ما قبل الفيسبوك، فقديمًا كل شخص كان يتمتع بشخصيته الحقيقية المعروفة والمألوفة للجميع، وكان التواصل عبر الزيارات واللقاءات الإجتماعية المليئة بالمشاعر الحقيقية غير المصطنعة
لكن اليوم الفيسبوك يصنع منا شخصيات بوجوه متعددة لا تعلم إن كانت مشاعرها وتفاعلاتها عبره حقيقية صادقة أم أنها مصطنعة لأجل اعتبارات مختلفة، ولعلك في الآونة الأخيرة شاهدت بنفسك كيف يقوم العديد من الأصدقاء عبر تلك الشبكة بإبراز أدق تفاصيل أعمالهم اليومية سواء بقصد أو بدون قصد، ومنها تصوير ونشر الطعام قبل أكله، و ممارسة الرياضة وأيضًا النشر أثناء ممارسة العبادات والشعائر الدينية المختلفة، ونشر الخلافات الشخصية بين الأصدقاء وكتابة كلمة “مقصودة” والنشر للخلافات الأسرية بين الزوجين، ناهيك عن الإقبال الذي تشهده حسابات البنات مقابل الرجال، و حتى على مستوى المنشورات التي يغلب التفاعل معها، مهما بلغت تفاهتها و وضاعتها إن كانت منشورة من قبل فتاة، بينما لا تلاقي منشورات الرجال نفس التفاعل مما يوضح تلازمية العقدة الجنسية تجاه المراة لدى غالبية الرجل لاشعوريا، أما بخصوص منشورات الرجال فتلاقي تلك التي تتعلق بنشر الصور إعجابا أكثر من تلك التي تتضمن مقالات أو كتابات مهما كانت مقتضبة، و هكذا أصبحت تلك الشبكة تطرق أبواب بيوتنا لتدخلها دون استئذان لتعرّي وتكشف أسرارنا وخصوصياتنا دون أن نعلم ذلك، وهذا كان له انعكاس واضح في افتعال العديد من المشكلات الاجتماعية المتراكمة، بل أكثر من ذلك صارت مصدر العديد من سوء الفهم الحاصل على مستوى الواقع، و أيضا مناسبة لبعض المتزلفين للتقرب ممن يرون فيهم فرصة لتحقيق أغراضهم النتهازية، أو مناسبة لتفريض حقد مكبوت تجاه أشخاص لا نقوى على مواجهتهم واقعيا. فلا أحد اليوم قادر على أن يُنكر مدى تعلقه بتلك الشبكة الاجتماعية، التي تغللت في حياتنا اليومية، وسرقت و تسرق من أوقاتنا ساعات كثيرة لا نعلم كيف تمضي بهذه السرعة الهائلة، لذلك أصبحت حياتنا الواقعية أسيرة تلك الشبكة، حتى وصل بنا الحال إلى تأدية واجباتنا الإجتماعية مثل التهنئة بالسلامة، ومواساة المريض، وتعزية المتوفى، والمباركة بالنجاح، كل ذلك عبر تلك الشبكة، وكأننا تناسينا حياتنا الحقيقية، والأمر الذي يثير الدهشة أننا أصبحنا نعيش غرباء عن بعضنا البعض داخل الأسرة الواحدة، أصبحنا ننطوي و نتقوقع على أنفسنا دون اختلاط و تواصل مع العالم الخارجي، أصبحنا نجلس في مكان واحد ولكن عيوننا وأذهاننا تترقب وترصد وتتفاعل مع تلك الشبكة. ولتأكيد ما سبق، لعلك تلاحظ أنه عندما يزورك ضيوف لأجل “صلة الرحم” أن أول شيء يطلبوه منك هو الرقم السري لشبكة الـ Wi- Fi، فهذه الشبكة “الفيسبوك” صحيح أنها وُجدت في الأصل لأجل التواصل الاجتماعي ولكن الاستخدام المفرط لها جعل منها شبكة تؤدي إلى الإنقطاع الاجتماعي أو بالاحرى التباعد الإجتماعي. و تكاد تُجمع معظم الدراسات والأبحاث الميدانية عن أثر الفيسبوك على حياتنا النفسية، بحيث عُدَ الفيسبوك أحد المساهمين في تعاسة الفرد، وذلك لما يعززه من المظاهر النفسية السلبية مثل تضاعف شعور الغيرة والتوتر والوحدة والاكتئاب أحيانًا.
و قد كشفت إحدى الدراسات البريطانية كيف أن الطلاب الذين يقضون وقتًا أطول على الفيسبوك هم أكثر تعاسة من أقرانهم، وذلك بسبب مشكلة المقارنة الاجتماعية مع الآخرين التي يعززها الفيسبوك. فهذا الأخير يقوم بشكل أساسي على المشاركة، مشاركة الصور والأخبار والإنجازات الشخصية وكل ما هو مستجد في حياتنا الشخصية، وهو ما يؤدي بشكل طبيعي لتعزيز ثقافة المقارنة. وتتضاعف مشكلة المقارنة على الفيسبوك لسبب بسيط: “الفيسبوك يوهمنا كل يوم بأن حياة الآخرين هي مليئة بالسعادة والمغامرة الدائمة، وحين نقارن ذلك مع حياتنا فغالبًا ما تكون النتيجة محزنة”، وتكمن المشكلة في أن هذه الصورة هي صاحبة السطوة خلال تصفح الفيسبوك، مما يعني أن تجنبها يقتضي جهدًا ووعيًا كبيرًا بالذات.
لكن ما الذي يجعلنا غير قادرين على التخلص من إدمان الفايسبوك؟
سأقدم إحدى عشر سببا يجعلك غير قادر على مقاومة الفايسبوك و هي:
1ـ متابعة الأخبار و الإطلاع عليها بأقل جهد.
2ـ التواصل مع الأصدقاء و اللعب و حتى تقاسم تلك الألعاب، بحث يتيح الفايسبوك لمستخدميه بالجمع بين التواصل و اللعب.
3ـ مشاركة المعلومات التي نتوفر عليها مع العديد من الناس في وقت واحد.
4ـ التجسس على الأخرين خاصة بالنسبة للمهووسين بمتابعة و معرفة كل ما يفعله الآخر، والتأكد مما يفعل أو أين يذهب، وكذلك ما يحبه و يكرهه، ونرى هذا أيضا عند معجبي الفنانين، حيث يصبح الناس مهووسين بتفاصيل حياة المشاهير.
5ـ الرجوع إلى الذكريات، بحيث كل سنة يقوم الفايسبوك باسترجاع ما قمت بنشره و توثيقه في مثل ذلك اليوم من السنوات الماضية، و هو ما يتيح لك استرجاع هذه الذكريات و لم لا تقاسمها مع الأصدقاء الإفتراضيين.
6ـ الرغبة في الإحساس بالقبول و التفهم من لدن الآخر، أي الإحساس بأن هناك من يفهم أفكارنا و يقبلها و يشترك معنا فيها، لأن في الفايسبوك أنت من تختار أصدقائك و الناس المحيطين بك و بأفكارك على عكس الحياة الواقعية، و لك أيضا سلطة الطرد و الحذف تجاه من يعكر صفوك أو ينتقد أفكارك و لا يقبلها.
7ـ الفايسبوك يتيح إمكانية تغيير الروتين اليومي و ذلك عبر التواصل مع أشخاص من مختلف المناطق في العالم، و خاصة مع المشاهير و مع من هم ذو أهمية، الشيء الذي يجلب متعة و إثارة للمستخدم.
8ـ الفايسبوك كذلك يفتح إمكانية تغيير المزاج، و هو ما نلحظه لدى الذين يدمنون على التعبير عن مزاجهم خاصة السيء، و ينتظرون أن تساعدهم التعليقات على تحسينه و لم لا التخلص منه.
9ـ التخلص من وهم الوحدة، فلا شك أن الشعور بالوحدة صار أحد أمراض العصر إشاعة، خاصة عندما لا نحقق ما يكفي من التواصل الإجتماعي الملموس مع الآخرين، و هنا يصبح التفاعل عبر شبكة الفايسبوك بمثابة استغاثة سريعة، للتخلص من الشعور بالوحدة، عبر إنفاق المزيد من الوقت في هذه الشبكة، و هو ما يمكن حقيقة أن يزيد من تعميق الشعور بالوحدة على المدى الطويل ناهيك عن الإكتئاب و إدمان أكثر.
10ـ الأنانية و هي أبرز الدوافع التي تجعل رواد الفايسبوك غير قادرين على مبارحته، فعلى الرغم من أننا لا نعترف بذلك، إلا أن الفايسبوك يجعلك تفرغ شيئا من أنانيتك، و حبك لفرض ذاتك و التعبير عنها، لكن أكثر من ذلك هو إنتظار ردود الفعل من الأخرين تجاه كل ما تقوم بنشره، و قد يصل بك الحد الى مستوى أخذ موقف ممن لا يُعَلِقُون و لا يُعْجَبُون بمنشوراتك على أرض الواقع، و هو أيضا يوفر هذا المجال من الغرور ما يرضي المستخدم بسماع و قراءة المديح و الشكر من الأخرين، و هو ما يجعله أكثر تعلقا بالفايسبوك، و ما يقدمه، و هذا ما قد ينطبق على ما أقوم به أنا الآن أيضا.
11ـ الفايسبوك يسمح بتحقيق بعض الحاجيات البشرية، فلقد رتب عالم النفس أبراهام ماسلو الحاجيات البشرية من حيث الأهمية إلى خمس و هي: فيسيولوجية، أمنية، إجتماعية، تقدير الذات، تحقيق الذات. و الفايسبوك يلبي هذه الحاجيات بحيث يسمح لمستخدمه بالإحساس بها دون إدراكها عمليا.
و لكي نحقق الإستفادة الكاملة من هذه الشبكة، ويكون استخدامنا لها استخدامًا سليمًا، يجب علينا أن ندرك أن حياتنا اليومية الواقعية أهم بكثير من حياتنا الإفتراضية عبر شبكة الفيسبوك،بحيث علينا تأدية واجباتنا الإجتماعية على أكمل وجه ممكن ليكون بذلك دور شبكة الفيسبوك دورًا تكميليًا للحياة الواقعية، و ليس تعويضيا، كما علينا التمتع بقدر من الوعي الفكري والمسؤولية لتحديد ما الحد المسموح بنشره عبر تلك الشبكة لكي نتفادى التطرق والخوض في خصوصياتنا وأسرار حياتنا اليومية، وحتى في خصوصيات الأخرين، قبل أن تردعها قوانين وضعية.
و كل حجر و نحن أقرب إلى الحياة الواقعية من تلك الإفتراضية.
ذ.شفيق العبودي
