ads980-90 after header
الإشهار 1

الحماية القانونية لمستهلكي الخدمات الطبية

الإشهار 2

العرائش أنفو
الحماية القانونية لمستهلكي الخدمات الطبية

بقلم: محمد جردوق
طالب باحث بماستر المهن القانونية والقضائية بطنجة

مقدمة

إن تمتع الإنسان بصحة جيدة هو حق من حقوقه الأساسية٬ فإذا كان حق الحياة بالنسبة لمعظم الفلسفات والأديان الكبرى أهم حقوق الإنسان، فالحق في الصحة مرتبط بالحياة والموت بشكل يصعب الفصل بينها كلما كان اضطراب الصحة خطيرا٬ هذه المسلمة لم تعر الاهتمام بحق الصحة كما يفترض، خاصة إن اعتبرنا أن حق الحفاظ على الصحة هو في الآن نفسه: حق على الفرد وعلى المجتمع وعلى الدولة٬ من هنا يشمل التقصير في الدفاع عن حق الصحة فئات ومستويات عدة، حيث أن للصحة جانب فردي وجانب جماعي.
لذلك فالحق في الصحة يعني أن من حق كل إنسان التمتع بالصحة الجسدية والعقلية والنفسية دون أي نوع من أنواع التمييز، والتمتع بالحقوق الصحية شأن حيوي ومتطلب أساسي لكل مظهر من مظاهر حياة الإنسان ورفاهيته وحريته.
والمشرع المغربي في دستور فاتح يوليوز لسنة 2011 في الفصل 21 على أنه :” لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه، وحماية ممتلكاته…”
و ممارسة النشاط الطبي تعتبر من المهن الإنسانية و الأخلاقية المتسلحة بالحمولة العلمية و المتبلورة في إطار تعاقدي غالبا تختم على ممارسها الاهتمام بالمريض و إعمال كل ما يلزم لعلاجه و بذل العناية التي تقتضيها هذه المهنة.
وعندما يقع أي حادث، فإننا نصبح أمام وضع قانوني طرفه الأول طبيب بعلمه و نفوذه و قوة شخصيته ، و طرفه الثاني شخص أنهكه المرض بل و اشرف على الهلاك أحيانا، و في هذا الإطار فان الطبيب يأمر و يفرض و المريض يقبل و ينفذ و هو مسلوب الإرادة كلية لا يفكر إلا في الشفاء الذي قد يتحقق أو لا يتحقق. ومن أجل حماية الطرف الضعيف داخل المجتمع من بطش مقدم الخدمات الطبية – الطرف المحتكر القوي علميا و تقنيا- أدى بالمشرع المغربي إلى إصدار القانون 08-31 لعله يحمي الفئات المستضعفة، و هو ما لم يظهر بالنسبة لمستهلكي الخدمات الطبية، و سبق للقضاء المغربي و المقارن أن اصدرا مجموعة من الأحكام و القرارات لصالح الطرف الضعيف.
و بالرجوع إلى القوانين المتعلقة بالقطاع الصحي، نجد بان المشرع المغربي لم يسلك مسلك الوضوح و يحدد الالتزامات التي يتحملها الطبيب و المصحات الخصوصية اتجاه المرضى و ذو يهم.
إذن إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال القانون 31.08 حماية المستهلك قبل وبعد حصوله على الخدمات الصحية ؟
للإجابة عن هذه الإشكالية سنعتمد التقسيم التالي :
المبحث الأول: حماية المستهلك قبل حصوله على الخدمات الطبية.
المبحث الثاني: حماية المستهلك بعد حصوله على الخدمات الطبي
المبحث الأول: حماية المستهلك قبل حصوله على الخدمات الطبية.
جاء القانون 31.08 بمجموعة من الحقوق لفائدة المستهلك نص عليها في ديباجة هذا القانون ومنها ما نظمها بتفصيل كالحق في الإعلام والقبول أو الرضا وهذا ما سنتحدث عنه في المطلب الأول (المطلب الأول)، ثم سنتطرق إلى حماية المستهلك عن طريق تقديم العلاج وعدم حصول الخطأ في التشخيص في المطلب الثاني.
المطلب الأول: حق المريض في والإعلام والقبول:
من الالتزامات التي لا يعفى منها الطبيب هي واجب إعلام المريض ( الفقرة الأول)، والحصول على رضاه في الموافقة على العلاج ( الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الحق في الإعلام:
يعتبر التزام الطبيب بإعلام المريض واجبا قانونيا يقع على عاتق الطبيب الذي تعاقد معه المريض، والحكمة من هذا الالتزام هو احترام الشخصية الإنسانية والمعنوية للمريض.1
وأكد المشرع هذا الالتزام بصفة عامة في المادة 3 من القانون 31.08 المنظم لتدابير حماية المستهلك.2
فمن خلال فحص محتوى هذه المادة يتضح أن الطبيب ملزم بتبصير المريض بنوع المرض الذي يعاني منه،وبالفاض تساعده من الإلمام بمختلف ايجابيات وسلبيات التي يمكن أن يترتب على صحة نتيجة الفحوصات التي سيخضع لها.3
هذا ما سار عليه المشرع الفرنسي في المادة 35 منه على أن إعلام المريض يجب أن يكون صادقا واضحا وملائما إزاء وضعيته.4
وفي العمل القضائي المغربي هناك قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط الذي جاء في حيثياته :” على أن الطبيب قبل إجراء أية عملية أو صرف أي دواء للمريض القيام بفحص المريض فحصا شاملا وتبصيره وإفادته بمجموعة من المعلومات المتعلقة بصحته وبمخاطر المرض والعلاج المقترح وكذلك فوائد هذا العلاج.”5
الفقرة الثانية: حق المريض في الموافقة على العلاج
يقصد بالرضا تعبير المريض عن إرادته في قبول التدخل الطبي، أي هو الإذن الذي يعطى من قبل شخص عاقل ومدرك قادر على الإفصاح عن رِأيه في قبول أو رفض التدخل الطبي سواء كان علاجيا أو جراحيا.6
فبعد إعلام المريض بنوعية المرض والعلاج المقترح، فإن يلزم على الطبيب احترام إرادته، فلا يجوز له ممارسة أي عمل طبي إلا بعد الحصول على رضا المريض الذي يشترط أن يكون صريحا.7 ويجب على الطبيب احترام إرادة الشخص بعد إعلامه بالنتائج المترتبة على اختياراته وقراراته.
ولا يوجد نمط معين لإبداء الرضا فقد يكون القبول خطيا أو على الشكل المعتاد به شفويا.8 إلا أن الإشكال الذي يطرح هنا عندما هو عندما يكون الرضا شفويا فهنا يصعب على الطبيب إثبات ذلك رغم إمكانية إثباتها بجميع وسائل الإثبات.
إلا أن هناك مجموعة من الاستثناءات التي تسمح للطبيب بالتدخل في علاج المريض، فبالرجوع إلى الفصل 431 من القانون الجنائي 9، نجد أن المشرع يلزم الطبيب بالتدخل لإنقاذ حياة المريض دون إذن المريض.
بالإضافة إلى ما تنص عليه الفقرة 453 من القانون الجنائي ” ولا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر غير أنه يجب عليه أن يشعر بذلك الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم…”
كما قد يجد الطبيب نفسه أمام فاقد للوعي تتطلب حالته علاجا مستعجلا، وبديهي أن المريض في مثل هذه الحالة غير قادر على إعطاء الإذن، كما أن حالة الاستعجال تدعو الطبيب للقيام بعملية دون تأخير.10
ذلك ما ذهبت إليه محكمة الإستنئاف بالرباط في القرار الصادر عنها الذي ينص على أن:” من الالتزامات التي تقع على الطبيب الجراح قبل إجراء العملية للمريض أخذ موافقته على ذلك، ويجب أن تصدر هذه الموافقة بعد معرفته بحقيقة العملية والنتائج المحتملة عنها وأنه لايجوز إجراء العملية دون رضا المريض، وتزداد أهمية هذا الإجراء في الأحوال التي يتعرض فيها المريض للخطورة عند إجراء العملية حيث يجب موافقة ممثله القانوني أو أقربائه، وإذا قام الطبيب بالعملية دون تبصير يعتبر الطبيب مخطئا، وحتى في حالة الاستعجال القصوى لا يعفى الطبيب من هذا الإجراء إلا إذا كانت حالة المريض لا يحتمل التأخير وأن يكون فاقد الوعي وغير قادر على التعبير عن إرادته11.
المطلب الثاني: حماية المستهلك عن طريق تقديم العلاج وعدم حصول الخطأ في التشخيص.
تفرض الواجبات المهنية الطبية على مقدم الخدمات الطبية ، بأن يكون من وسائل رحمة الله على الدوام، مسخرا رعايته لكل مريض من دون أي تمييز، و ألا يمتنع عن تقديم العلاج لكل من يوجد في حالة خطر تحت أي ذريعة كانت مسخرا بذلك علمه لنفع الإنسان لا لأذاه.
و تسخير الطبيب علمه لخدمة الإنسان يفرض عليه ألا يحصل منه في تشخيص الوضعية المرضية للمريض أخذا بعين الاعتبار الظروف المحيطة به و نوعية المرض و مستوى تكوينه العلمي.
الفقرة الأولى : حماية المستهلك عن طريق عدم الامتناع عن تقديم العلاج
يعتبر العمل في الميدان الطبي مهنة إنسانية و رسالة نبيلة هدفها خدمة المواطن و القيام بالواجبات الإنسانية التي تفرضها أصول المهنة بعيدا عن كل ما يسئ لسمعتها.
و هذا ما نصت عليه المادة 2 من القانون المتعلق بمزاولة مهنة الطب حيث جاء فيها ما يلي :
” الطب مادة لا يجوز بأي حال من الأحوال و بأي صفة من الصفات أن تمارس باعتبارها نشاطا تجاريا يمارسها الطبيب مجردا عن كل تأثير وازعه فيها عمله و معرفته و ضميره و أخلاقه المهنية ”
و تماشيا مع القسم الذي يؤديه الطبيب قبل مباشرته لمهامه، و مع الأخلاق المهنية، و كذلك بحكم الالتزامات التي تفرضها نبل المهنة فانه يجب على الطبيب أو المصحة واجب إنساني و أدبي.
و تتمثل هذه الواجبات في عدم رفض علاج المريض أو إغاثته، إلا أن هذا لا يعني بان الطبيب يقبل علاج كل من يطلب منه ذلك فهذا الالتزام يتحدد بظروف معينة و بنطاق معين.
و يقول الفقه12 بان هذا الالتزام يبدو واضحا في الحالة التي يوجد فيها الطبيب في مركز المحتكر، بمعنى انه في الظروف القائمة لا يوجد سواه لإسعاف و علاج المريض سواء أكان ذلك راجع لمكان و زمان العمل أم للظروف الملحة التي يوجد فيها المريض أم لطبيعة عمل الطبيب.
و في حالة ما إذا وجد الطبيب نفسه في هذه الوضعية، فانه لا يحق له رفض علاج المريض تحت أي ذريعة كانت، سواء طلب منه العلاج من طرف المريض نفسه، أو من الغير و ذلك في الحالة التي لا يتأتى معها للمريض المطالبة بالخدمة الطبية.
وفي حال ما إذا امتنع الطبيب عن تقديم العلاج دون أي مبرر، و توفرت الأسباب التي تجعل الطبيب لا يكون من حقه الامتناع عن العلاج فانه يكون مسؤولا، إلا إذا أقام الدليل على أن الأمر يعزى لسبب أجنبي لا يد له به كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو الخطأ المضرور أو خطأ الغير.
و قد سبق للقضاء المغربي أن أدان أحد الأطباء من أجل الإمساك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص كان قد حضر لأحد المستشفيات بالرباط الذي كان نزيلا بمصحة القلب و الشرايين و بعد صعوده الى الطابق الرابع عبر السلالم أحس بإعياء ثم استأنف الصعود إلى الطابق الخامس حيث مصحة القلب و الشرايين، فاتضح عياؤه مما جعل بعض الأشخاص يساعدونه في الجلوس على أحد المقاعد ثم أخذ يصيح طالبا الإغاثة و بعد حضور الطبيب اتضح بأنه بحاجة إلى إنعاش، و رأى الطبيب تطبيقا للنظام المعمول به ألا يشرع في ذلك إلا بعد القيام بالإجراءات الإدارية وأداء كفالة مالية لصندوق المستشفى وهو ما استغرق وقتا طويلا.
انتهى إلى وفاة الزائر بسبب تأخر تقديم النوع الملائم من الإسعافات و عللت المحكمة حكمها بأن الطبيب كان عالما بصفة مباشرة بالخطر الذي أدى إلى وفاته خاصة أنه طبيب مختص في القلب و الشرايين، وله تجربة كبيرة في الميدان و الواجب كان يفرض عليه التدخل الشخصي لإنقاذ الهالك13
الفقرة الثانية: حماية مستهلك الخدمات الطيبة من الخطأ في التشخيص.
يلتزم الطبيب بأن يبدل للمريض العناية اللازمة من صدق و يقظة، إذ عليه أن يستمع إلى المريض أو ذويه و أن يأخذ كافة المعلومات التي يحتاج إليها، ثم يبدأ بفحص المريض مستعملا جميع الوسائل المرعية، التي يضعها العلم تحت تصرفه ليكون تشخيصه بعيدا قدر الإمكان عن الخطأ، ولقد استقر القضاء في مصر على أن مجرد الخطأ في التشخيص و وصف العلاج و مباشرته لا يثير مسؤولية الطبيب، إلا إذا كان هذا الخطأ منطويا على جهل ومخالفة الأصول العلمية الثابتة التي يتحتم على كل طبيب الإلمام بها بشرط أن يكون الطبيب كذلك قد بدل الجهود الصادق و اليقظة التي يبدلها الطبيب المماثل في الظروف القائمة.
ومن هذا المنطلق فانه لا يمكن للطبيب أن يخطأ في التشخيص عن جهل القواعد العلمية المرعية في المجال الذي يختص فيه، و التي تحتم عليه أن يكون عالما بها، في هذا السياق قضت محكمة روان الفرنسية في قرار لها صادر بتاريخ 21/04/1923 بمسؤولية الطبيب لأنه لم يقم باستشارة الطبيب الذي كانت تتعالج عنده الضحية و لم يستعمل الأشعة ليزيل الشك الذي قام في ذهنه قبل أن يجري العملية و تتلخص وقائع هذه القضية في أن امرأة فحصها طبيب و شخص أنه يوجد ورم ليفي يلزم استئصاله ثم شرع في إجراء العملية إلا أنه لاحظ أنه أخطأ في التشخيص و أن المرأة حامل و لا يوجد ورم في الرحم فقام بإخراج الجنين و حدثت مضاعفات للمرأة و توفيت.
إلا أن القضاء المغربي و على أعلى مستوى له كانت له كلمة في الموضوع حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى عدد 1797 بتاريخ 20/04/2010 (14)أن ” الطبيب ملزم ببدل عناية الرجل المتبصر حي الضمير و أن يسلك في ذلك مسلك الطبيب اليقظ بنفس مستواه المهني الموجود في نفس الظروف المحيطة به و أن أي تقصير منه منافي للأصول العلمية الثابتة في علم الطب و الظروف المحيطة به يكون مسؤولا عنه ويرتب التعويض عما سببه من ضرر”.

المبحث الثاني: حماية المستهلك بعد حصوله على الخدمات الطبية
تتجلى مظاهر حماية المستهلك بعد حصوله على الخدمات الطبية في حماية الطبيب للملف الطبي للمريض ومتابعته علاج هذا الأخير(المطلب الأول)، و كذلك حماية المريض من خلال التزام الطبيب بتحقيق نتيجة(المطلب الثاني).
المطلب الأول: حماية الطبيب للملف الطبي للمريض ومتابعته علاج هذا الأخير.
يعد حفظ الطبيب لملف المريض، من أكثر الواجبات التي تقع على عاتقه بحيث يفترض فيه إن يعالجه بسرية تامة(الفقرة الأولى)، كما يتحمل أيضا متابعة علاج المريض بعد تقديم الخدمات إليه(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: حماية الطبيب لملف المريض
يعتبر التزام الطبيب بحفظ ملف المريض من أكثر الالتزامات ارتباطا بواجبات الطبيب الأخلاقية و الإنسانية15، فهو ملزم بان يعالج المريض بكل اهتمام و سرية.
والمعلومات التي يحصل عليها الطبيب من خلال علاقته مع المريض يجب أن تعامل بسرية تامة والمريض يجب أن يلمس ذلك ليتسنى له الإفصاح بهذه المعلومات ، وبالتالي فالطبيب ليس مخولا له الكشف عن هذه المعلومات إلا إذا تلقى موافقة مسبقة من المريض أو أجبر على ذلك قانونا.
و الالتزام بالمحافظة على ملفات المرضى معروف منذ القدم وهو واجب أخلاقي تفرضه قواعد المروءة والشرف و تقتضيه المصلحة العامة فلو أن إفشاء الأسرار التي تتضمنها الملفات الطبية للمرضى كان مباحا لأمتنع المرضى عن طلب المعالجة من الأطباء خوفا من افتضاح أمراضهم، وإلحاق الأذى بسمعتهم والحط من كرامتهم، وهو الأمر الذي يؤثر سلبا على مستقبلهم.
وحفظ الملفات الطبية يجب أن يضمن سرية ما فيها من معلومات، ويحق للطبيب أن يرفض حفظ الملفات الخاصة بالمرضى الذين يترددون على عيادته.
وقد اوجب القانون على الأطباء العناية بالأسرار التي تتضمنها بطاقات المرضى، وملفاتهم ومواقعهم على الحاسوب من أي فضولي يرغب في الاطلاع عليها16كما يجب عليهم كذلك الحرص على حماية البطاقات السريرية ووثائق المرضى الموجودة بحوزتهم.17
ويجب على الطبيب أيضا أن يحرص عندما يستعمل الملفات الطبية لإعداد نشرات علمية، على عدم كشف هوية المريض، لان جريمة إفشاء السر تتحقق ولو اقتصرت المكاشفة على جزء من السر الذي نص القانون على كتمانه. و لاشك أن ذكر اسم المريض أو المرض المصاب به، يعد إفشاء للسر يعاقب عليه القانون.18
و تجب الإشارة إلى أن حفظ الطبيب لملف المريض ليس على إطلاقه، بل هناك حالات استثنائية يعفى فيها الطبيب من هذا الالتزام، ومن هذه الحالات نذكر:
أولا- موافقة المريض على إفشاء سره: يرى بعض الفقهاء أن الالتزام بالمحافظة على الملفات الطبية للمرضى هو من النظام العام، و أن الأمر يتعلق بالمجتمع، و لا يملك المريض إعطاء موافقته للطبيب لإفشاء سره.
و حسب الرأي الراجح في الفقه والقضاء، فأن السر الطبي ملك للمريض وله أن يفشيه بنفسه، ولو يسمح للطبيب و أذن له بإفشائه، وبالتالي لا يصح القول بأن السر الطبي مقرر للمصلحة العامة، ذلك لأن المريض يمكن أن يذيع هذا السر بنفسه أو ينيب عنه غيره.
وقد ساير القضاء الفرنسي هذا الرأي منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث أعطى للمريض الحق إذا كان بالغا سن الرشد، ولوالده إذا كان قاصرا أن يوافق للطبيب على إفشاء نوع المرض المصاب به.
كما قضت محكمة النقض المصرية بأنه إذا طلب المريض شهادة من طبيبه المعالج عن طريق زوجته وقام الطبيب بتسليمها الشهادة، فذلك لا يعد إفشاء السر الطبي الخاص بمريضه.19
ثانيا- أداء الشهادة أمام القضاء: يقول جانب من الفقه بجواز إفشاء أسرار المريض للإدلاء بها أمام القضاء، وعكس ذلك – حسب هذا الجانب من الفقه- يعتبر اعتداءا على المبدأ الذي ينادي بضرورة الوصول إلى العدالة.
وخلاصة القول، أن الالتزام بعدم إفشاء الطبيب لأسرار المريض، وكتمانه والذي يقع على عاتق الطبيب بخصوص كل ما يصل إلى علمه أو يكتشفه أثناء مزاولته لعمله الطبي، يقوم على رعاية المصلحة العامة التي تفرض على الطبيب أن يقوم بمهمته على أفضل وجه بحيث يسمح له بأداء الشهادة أمام القضاء عندما تكون هذه الشهادة ضرورية لإجلاء الحقيقة، مع اخذ الاحتياط بألا يلحق المريض من إفشاء أسراره الطبية إلا القليل من الضرر ما أمكن ذلك لأن المصلحة الخاصة للمريض بكتمان أسراره هي محل اعتبار أيضا.
ثالثا- إجراء خبرة طبية بأمر من القضاء: تظهر أهمية الخبرة على وجه العموم في القضاء، لأن القضاة يرجعون إلى الخبراء للاستعانة بهم في معرفة حقيقة الأمر المتنازع فيه، فإذا تم تكليف الطبيب من القضاء بوصفه خبيرا لكي يقدم تقريرا عن حالة أحد الأشخاص المرضية، فما من شك في أن للطبيب أن يقدم التقرير إلى المحكمة مشفوعا بما توصل إليه عن حالة هذا الشخص المرضية، وبالتالي لا يتعرض للمسؤولية إن هو أفشى أي سر من أسرار مريضه، طالما هو قد أعد تقريره ضمن الحدود التي كلفته بها المحكمة وقدم هذا التقرير لذات المحكمة التي أسندت إليه القيام بالخبرة، ولكن إذا قام الخبير بتضمين تقرير معلومات خارجة عن حدود المهمة المكلفة بها، فإنه يكون مسئولا عن إفشاء السر الطبي لمريضه.
و نخلص في الأخير إلى أن تقديم الملفات الطبية و البطاقات الخاصة بالمرضى بناءا على أمر أو حكم قضائي، يعد ترخيصا قضائيا يمنع قيام مسؤولية الطبيب الذي أفشى سر مريضه، لان البوح بهذا السر أضحى امرأ مشروعا و جائزا له، و أن هذه الرخصة القضائية هي التي تعفيه من المسؤولية عن إفشاء الإسرار.20

الفقرة الثانية: متابعة الطبيب لعلاج المريض.
لا تنتهي مهمة الطبيب أو الجراح بإعطاء العلاج للمريض أو القيام بالجراحة، ولكن قد يتطلب الأمر تتبع حالته بعد ذلك بطريقة تختلف تبعا لحالته الصحية، ولنوع العلاج الذي قدم إليه أو الجراحة التي خضع لها.
وتتطلب المراقبة اتخاذ الاحتياطات اللازمة في العلاج وكذا لمنع حدوث الأخطاء المادية التي قد تصيب المريض داخل العيادة.21
و يعتبر التزام الطبيب بمتابعة علاج المريض من أقل المواضع التي يهتم بها الفقه، رغم الأهمية القصوى لهذا الالتزام، حتى أن الأشخاص العاديين ربما لا يعلمون بوجود هذا الالتزام على عاتق الطبيب، ويعتقدون ان باستطاعة هذا الأخير أن يترك مريضه في أية مرحلة من مراحل العلاج، وأنه ليس أمام المريض إلا اللجوء إلى طبيب آخر، كما أن الأطباء كانوا يعتقدون لفترة من الزمن أنهم فوق المساءلة، و لا يسألون إلا بصفتهم أشخاصا عاديين.
و الواقع اثبت أن القضاء سرعان ما أوجد التزام الطبيب بمتابعة علاج المريض، وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية “وجود التزام على عاتق الطبيب بالاستمرار في علاج مريضه ومتابعته وعدم التخلي عنه، حيث رفضت الطعن الذي قدم في هذه القضية وقررت أن الحكم المطعون فيه كان على صواب فيما نسبه إلى الطبيب، لأنه إهمال وخطأ جسيم ، و على الأخص لأنه تخلى اختيارا عن علاج المريض ولم يتابع علاجه ولم يزوره عندما طلب إليه ذلك، حيث أن حياة المريض كانت معرضة للخطر بسبب عدم مراقبته ومتابعته لحالة المريض، فالطبيب يعتبرانه قد ارتكب خطأ عندما ينقطع عن معالجة مريضه بشكل غير مبرر وفي ظروف غير مناسبة، وهو الأمر الذي تترتب عليه المسؤولية.”
ومن المعروف بأن عقد العلاج الطبي من العقود المستمرة، لأن الفحوصات الطبية و العلاج ومتابعة المريض تمتد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر حسب الأحوال، ولضمان استمرارية العناية والعلاج فإنه يتوجب على الطبيب أن يراعي ما يلي:
أولا: أن يقوم الطبيب بعيادة المريض عدة مرات حسبما تستدعي الظروف وطبيعة المرض وتطوره.
ثانيا: أن يترك الطبيب للمريض الوسائل التي تمكنه من الاتصال به واستدعائه فيما بين المدد المحددة لزيارته وذلك في الحالات التي يكون وجوده ضروريا وقد قضت محكمة مرسيليا بأن الطبيب الذي يشرع في معالجة مريض ثم يتركه يرتكب إهمالا يعرضه لفقد أتعابه إذا ترك مسكنه دون أن يترك عنوانا أو يترك طبيبا آخر بدلا منه لأنه طالما أن الطبيب في حاجة إليه و لا يصح له أن ينقطع عن هذا العلاج فجأة فقد حكم بأن الطبيب الذي شرع في علاج المريض ثم تركه بدون أن يكفل له استمرار العناية الطبية من زميل آخر يكون مسئولا عن الضرر الذي وقع بسبب ذلك إلا إذا أثبت أن إحدى حالات القوة القاهرة هي التي منعته من ذلك.
ثالثا: وجوب التريث في اتخاذ القرار الطبي ووجوب التأكد من الحالة الصعبة للمريض، إلا أنه ينهي القول أن من حق المريض والطبيب فك العلاقة العقدية بحرية شرط أن يكون ذلك بعلم مسبق، حيث أن من حق الطبيب الانسحاب إذا اكتشف أن حالة المريض تعتبر خارج نطاق تخصصه أو قدرته أو خبرته، و لكن ليس من حقه الانسحاب لأسباب عرقية أو دينية ولها علاقة بأصل المريض أو توجهاته المختلفة كما لا ينبغي له أن يترك متابعة المريض غير المرجو شفاءه22
و تجب الإشارة إلى أن هناك حالات تعتبر مبررا للطبيب لكي يمتنع عن تنفيذ التزامه بمتابعة علاج المريض، كأن بهمل هذا الأخير إتباع تعليمات طبيبه الأصلي، أوان يستعين بطبيب آخر دون علم الطبيب الأصلي ، و هو الأمر الذي يعرض كرامة الطبيب المعالج للأذى أو يمتنع المريض عن دفع الأجر للطبيب في المواعد المتفق عليها ففي مثل هذه الأحوال يجوز للطبيب أن يترك المريض شريطة أن لا يكون الترك في ظروف غير لائقة أو غير مناسبة للمريض وإلا تحمل الطبيب المسؤولية عن الأضرار التي ستنشأ عن إخلال التزامه بمتابعة علاج المريض.23
وفي نفس السياق قضت محكمة فرنسية بأن للطبيب الحق بأن يرفض توليد إمرة كان يعالجها منذ مدة الحمل، لأن أسرتها أصرت على إحضار ممرضة لا يعرفها و لم تكن تستطيع أن تقدم لها المساعدة اللازمة التي تقدمها لها الممرضة التي اختارها هو- أي الطبيب – ، ورأت المحكمة أن الطبيب تصرف بما تمليه عليه قواعد و سلوك المهنة، وقضت على الزوج بأن يدفع للطبيب الأتعاب المناسبة عن العلاج الذي قام به للزوجة في مدة الحمل.24
المطلب الثاني: التحاليل المخبرية ونقل الدم
سنحاول خلال هذا المطلب الوقوف عند حماية المستهلك من التحاليل المخبرية ( الفقرة الأولى)، ثم نقل الدم في (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى:التحاليل المخبرية.
يستلزم من المنطق قبل الحديث عن مظاهر حماية المستهلك في اطار التحاليل المخبرية ،وضع تعريف للتحاليل المخبرية.
اولا :تعريف التحاليل المخبرية:
يقصد بالتحاليل المخبرية كل تحليل (اختبار) يجرى في المختبر لأي من سوائل البدن أو مفرزاته، ويندرج ضمن هذا التعريف تحليل مكونات الدم، والبول، والسائل الدماغي الشوكي، والبراز، والسائل المنوي، والسوائل المفصلية، و المفرزات المهبلية والقيحية، والعصارة المعدية والبنكرياسية، وتشمل هذه الفحوص والتحاليل فحوصاً للمكونات الكيماوية الحيوية، وللأشكال الخلوية، والاختبارات المناعية، ومكونات الدم والفحوص الجرثومية والفيروسية والفطرية والطفيلية والاختبارات الجينية الوراثية وتحتاج إلى أجهزة وأدوات خاصة.
وتزداد طرق التحاليل تطوراً بتسارع مع الزمن، إذ يجب أن تتماشي هذه الطرق مع مراقبة الجودة، ويهتم التحليل المخبري بتفسير النتائج ليساعد الطبيب في تشخيص الحالة المرضية أو تأكيد التشخيص أو تحديد إنذار المرض، للتحكم بالعلاج سواء الطبي أو الجراحي أو الشعاعى. وهذه التحاليل غالبا ما تنجز بأمر من الطبيب المعالج الذي يطلبها من اجل الوقوف عند طبيعة المرض الذي يعاني منه المريض،وهو الذي يحدد نوع التحليل المطلوب الذي يجب على المريض انجازه في احد المختبرات المتخصصة في ذلك.
ثانيا:حماية المستهلك في إطار التحاليل المخبرية:
أدى التطور العلمي في مجال التحاليل المخبرية الى انعدام عنصر الاحتمال في هذه التحاليل على وجه التقريب،حيث تكون النتيجة محددة على وجه الدقة ما لم يحدث إهمال من طرف الشخص القائم بالتحاليل.
ويعتبر الفقه الذي أيده القضاء الفرنسي في القرار الصادر بتاريخ 14 ديسمبر 1959، ان التزام الطبيب القائم بالتحاليل هو التزام بتحقيق نتيجة25،فتكون مسؤوليته قائمة على أساس خطأ مفترض غير قابل لإثبات العكس،وبالتالي يعفي المستهلك المتضرر من إثبات هذا الخطأ،ويكون على الطبيب إثبات السبب الأجنبي او القوة القاهرة،إذا أراد التخلص من المسؤولية ،غير ان ذلك يظل محصور في مجال التحاليل العادية التي تقوم على آليات بسيطة يتضاءل بشأنها عنصر الاحتمال،أما في مجال التحاليل الدقيقة التي يمكن ان تختلف بشأنها التفسيرات فان التزام الطبيب القائم بها هو التزام ببدل عناية26و بالتالي فان عبء الإثبات ينتقل الى المتضرر الذي يجب عليه إثبات تقصير و إهمال الطبيب ،وله ان يستعمل كافة وسائل الإثبات.
إلا ان الملاحظ من خلال استقرائنا للمواد الواردة في قانون 31.08 فإننا نجد انه لم ينظم حماية خاصة للمستهلك في إطار التحاليل المخبرية بنصوص خاصة تبين كيفية حماية من كل ما يمكن ان يتعرض له خلال التحليل المخبري ،و إنما أورد نصوص عامة،على عكس ما هو وارد في قانون الالتزامات و العقود بجعل الطبيب الذي قام بالتحليل المخبري مسؤولا مسؤولية عقدية عن الضرر الذي يصب المضرور ،غير ان قانون الالتزامات و العقود تناول المتضرر بغض النظر عن كونه مستهلكا(كما هو وارد في قانون 31.08 )او غير مستهلك.هنا نتسأل لماذا لم ينظم المشرع هذا المجال في قانون 31.08 رغم ارتباطه الوثيق بالمستهلك؟
الفقرة الثانية : نقل الدم.
قبل الحديث عن حماية المستهلك أتناء نقل الدم يجب اولا تعريف المقصود بهذه العملية.
اولا:تعريف عملية نقل الدم.
يمكن تعريف عملية نقل الدم بأنها تلك العملية التي ينقل بها الدم أو مشتقاته من شخص يستند إلى نظام الدورة الدموية للآخر. يمكن أن يكون نقل الدم لإنقاذ الحياة في بعض الحالات ، مثل فقدان كميات هائلة من الدم بسبب صدمة ، أو يمكن استخدامها لتحل محل الدم المفقود أثناء الجراحة.
ويمكن أيضا نقل الدم يمكن استخدامها لعلاج فقر الدم الحاد أو نقص الصفيحات الدموية الناجمة عن أمراض الدم. الناس قد يعانون من الهيموفيليا أو مرض فقر الدم المنجلي تتطلب عمليات نقل الدم المتكررة. تستخدم عمليات نقل الدم في وقت مبكر كله ، ولكن الممارسات الطبية الحديثة عادة تستخدم فقط من مكونات الدم.
ويمكن تقسيم عمليات نقل الدم إلى نوعين رئيسيين اعتمادا على مصادرها :
• مثلي ‘‘نقل’‘، أو نقل الدم المخزنة باستخدام الآخرين. غالبا ما تسمى هذه ”” خيفي بدلا من مثلي.
• ”نقل ذاتي ، أو نقل الدم باستخدام دم المريض نفسه المخزن.
يجب أن تبقى وحدات من الدم المانحة مبردة لمنع نمو البكتيريا وإبطاء عملية الأيض الخلوية. يجب أن تبدأ عملية نقل في غضون 30 دقيقة بعد أن اتخذت وحدة التخزين من رقابة.
ثانيا:حماية المستهلك إثناء نقل الدم.
أوضح الدكتور غازي عبد الله دمنهوري عميد كلية العلوم الطبية التطبيقية سابقا، استشاري أمراض الدم في جامعة الملك عبد العزيز، رئيس الجمعية السعودية الخيرية لمرضى أنيميا البحر المتوسط والأنيميا المنجلية؛ أن الآثار الجانبية لعمليات نقل الدم كثيرة وحدوثها ليس بالنادر، خاصة الأثر السلبي على جهاز المناعة، فقد وجد أن نقل الدم في بعض العمليات الجراحية قد زاد من احتمال الإصابة بالتهابات بكتيرية وفيروسية إضافة إلى أن الدم المنقول قد يتم رفضه وذلك قد يؤدي إلى عواقب خطيرة قد تصل إلى الوفاة. لذلك يجب ان يعرف الأطباء أن قرار نقل الدم لأي مريض ليس سهلا، مثله تماما مثل قرار عمليات نقل الأعضاء، ولذلك فإنه لزاما عليهم أن يفكروا جيدا وأن يشركوا المرضى معهم في اتخاذ مثل هذا القرار. هناك المئات من المرضى الذين يموتون سنويا في أميركا وبريطانيا جراء ما يعرف بالإصابة الرئوية الحادة الناتجة عن نقل الدمTRALI SYNDROME (Transfusion Related Acute Lung Injury) وأول حالة وفاة بهذا المرض كانت في عام 1990. ويعتقد الخبراء والاختصاصيون في طب نقل الدم أن الأعداد الحقيقية للمرضى الذين يتوفون بسبب هذا المرض أكثر بكثير من الأعداد المعلنة، حيث إن هناك عددا كبيرا من الأطباء غير ملمين لا بعلامات المرض ولا بالفحوصات التي يجب عملها ولا حتى بطريقة علاجه. لذلك فهناك رؤية عامة متفق عليها من قبل الخبراء في طب نقل الدم، خاصة أن عمليات نقل الدم أو مكوناته غير الضرورية أصبحت هاجسا حقيقيا، فهناك كثير من المرضى الذين يتم نقل الدم إليهم وهم في الواقع ليسوا في حاجة إليه.
فالطبيب يتعهد بالتزام محدد محله تقديم الدم المناسب و السليم و لذلك فإن الطبيب يكون قد أخل بالتزامه إذا كان الدم الذي نقله للمريض غير مناسب أو ملوث بالجراثيم و بالتالي تقوم مسؤوليته إزاء الضرر الذي ألحقه بالمريض ومن الجدير بالذكر أيضا يقع على عاتق الطبيب التزام بتحقيق نتيجة عند قيامه بإعطاء المريض أي سائل مثل الكلوكوز أو الأمصال، إذ يقع على عاتقه التأكد من صلاحية هذه الوسائل وقابلية الجسم لإ يستيعابها وهناك إجماع فقهي على أن التزام الطبيب في مجال نقل الدم هو التزام بتحقيق نتيجة، مؤداها نقل الدم النقي للمريض وأن يكون هذا الدم متفقا مع فئة دم المريض وألا يكون الدم مصدرا للعدوى27.
كما قضت محكمة استئناف باريس بأن الطبيب لا يخلو من المسؤولية بإتباعه ما جرى عليه العمل عادة في المستشفيات من حيث عدم فحص الدم للمتبرع في كل مرة يحتاج فيها إلى نقل الدم منه.28 و كانت تتخلص وقائع القضية في أنه تم نقل دم ملوث بالزهري إلى أحد عملاء الطبيب فدفع الأخير المسؤولية عن نفسه بأنه عمل طبقا لما جرى عليه العرف الطبي من فحص الأشخاص الذين اعتاد لأن ينقل منهم الدم مرة كل ثلاثة أشهر. ولكن المحكمة لم تقبل هذا الدفع مسؤولية الطبيب.
والملاحظ في هذا الباب ان المشرع المغربي لم ينظم هذا المجال في قانون 31.08 مما يدفعنا الى العاتب عليه بسبب هذا التقصير خاصة في مجال لها علاقة وطيدة بحياة الإنسان و صحته وعلى قد من الأهمية تساوي حماية المستهلك في مجالات أخرى نظمها هذا القانون.
رغم التنظيم الذي حظيت به في قانون الالتزامات و العقود في إطار المسؤولية العقدية ،إلا انه يظل غير كافي.
خاتمة

نستنتج مما تقدم، أن العلاقة بين الطبيب و المريض تمر في بلدنا بأزمة حقيقية، فلم تعد الثقة قائمة بينهما في الكثير من الأحيان، و أهم أسباب انعدام هذه الثقة، عدم كفاية الأحكام القانونية المنظمة لهذه العلاقة، و عدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في حق الأطباء.
ومن اجل إعادة الثقة إلى العلاقة القائمة بين الطبيب و المريض، فلابد أن يتدخل المشرع و يسن تشريعات جديدة في مجال الصحة، و يعدل التشريعات القائمة، خاصة قانون رقم 94-10 الصادر في غشت سنة 1996 والمتعلق بمزاولة مهنة الطب، وكذلك القانون المتعلق بأخلاقيات مهنة الطب.
ولاشك أن إقرار الحماية القانونية للمريض سواء بمقتضى نصوص القانون المتعلق بمزاولة مهنة الطب، أو نصوص مدونة أخلاقيات المهنة، أو بمقتضى نصوص القانون الجنائي، يحقق أهدافا يولي لها المجتمع أهمية خاصة، و يضعها أفراده في مصاف الأولوية
وغني عن البيان أن حماية حقوق المرضى ورعاية مصالحهم، لا تقتصر فقط على نصوص براقة وقواعد قانونية جميلة، بل العبرة من ذلك أن تجد تلك النصوص مجالا لتطبيقها في الميدان العملي، وان يتسم هذا النهج بالثبات و الاستقرار.
لائحة المراجع:
ــ 1)عمير فريدة، مسؤولية المستشفيات في المجال الطبي، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون، جامعة مولود معمري- تيزي وزو- كلية الحقوق والعلوم السياسية،2011 ص 25
ــ 2) تنص المادة 3 من القانون 31.08 على أن” يجب على كل مورد أن يمكن المستهلك بأي وسيلة ملائمة من معرفة المنتوج أو السلعة وتاريخ الصلاحية إن اقتضى الحال، وأن يقدم اليه المعلومات التي من شأنها مساعدته على القيام باختيار معقول باعتبار حاجياته وإمكانياته.
ولهذه الغاية، يجب على كل مورد أن يعلم المستهلك بوجه خاص عن طريق وضع العلامة أو العنونة أو الإعلان أو بأي طريقة مناسبة أخرى بأسعار المنتوجات والسلع وبتعريفات الخدمات وطريقة الإستخدام أو دليل الإستعمال ومدة الضمان وشروطه والشروط الخاصة بالبيع أو تقديم الخدمة، وعند الإقتضاء، القيود المحتملة للمسؤولية التعاقدية.”
ــ3)نفس الأمر ذهبت اليه محكمة النقض الفرنسية في احد القرارات الصادرة عنها بأن: ” يجب أن يكون الإعلام بسيطا وتقريبا ومفهوما وصادقا.”
نفس الأمر ذهبت اليه محكمة النقض الفرنسية في احد القرارات الصادرة عنها بأن: ” يجب أن يكون الإعلام بسيطا وتقريبا ومفهوما وصادقا.”
ـ4) سايكي وزنة، إثبات الخطأ الطبي أمام القاضي المدني، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون، نقشت بجامعة مولود معمري ـ تيزي وزو ـ كلية الحقوق والعلوم السياسية بتاريخ 03 ماي 2011، ص 34.
ــ 5 )يوسف أديب، المسؤولية الجنائية للطبيب عن أخطائه المهنية، رسالة لنيل الماستر في قانون المنازعات، جامعة المولى اسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والإجتماعية مكناس، 2011ـ 2012، ص 34.
ــ 6) فريحة كمال، م س، ص 93.
ــ 7) سايكي وزنة، م س ، ص 37
ــ 8) يوسف أديب، م س، ص 35.
ــ 9) ينص431 الفصل على ان” من امسك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر، رغم أنه كان يستطيع أن يقدم تلك المساعدة إما بتدخله الشخصي وإما بطلب الإغاثة، دون تعريض نفسه أو غيره لأي خطر، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.”
ــ 10 يوسف أديب، م س، ص 36.
ــ 11 يوسف أديب، م س، ص 36ـ 37.
ــ12 محمد حسين منصور , المسؤولية الطبية – دار الجامعة الجديدة للنشر- الإسكندرية-( دون الإشارة الى دار الطبع وسنة الطبعة).ص 31
ــ 13 حكم المحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 13/06/2002، عدد 1290
ــ 14 أسماء أحيد، المسؤولية المدنية للطبيب الجراح و المصحة، منشور بمجلة قضاء محكمة النقض العدد 74 سنة 2012 ص 119.
ــ 15 طلال عجاج،المسؤولية المدنية للطبيب، دراسة مقارنة-لبنان.ص199.
ــ 16 عبد الحميد الشواربي،شرح قانون العقوبات، منشاة المعارف الاسكندرية ص387.
ــ17 رايس محمد،مسؤولية الاطباء المدنية عن افشاء السر المهني في ضوء القانون الجزائري ص 278.7
ــ18 رايس محمد، م،س ص 278.
ــ19 قرار محكمة النقض المصرية 9/10/ 96 19 مجلة المحاماة عدد 21 سنة 1997 ص 281.
ـــ20 رايس محمد، م، س ص279.
ــــ21 محمد عبد النبوي، المسؤولية المدنية لاطباء القطاع الخاص، الطبعة الثانية يناير 2005 مطنعة النجاح الجديدة-الدارالبيضاء- ص152.
ــ 22 طلال عجاج م س ص 152.
ـــ 23 طلال عجاج م س ص 153.
ـــ 24 قرار محكمة فرنسية بتاريخ 15 ديسمبر 1910 أشار إليه الدكتور طلال عجاج المسؤولية المدنية للطبيب- مرجع سابق ص 154.
ـــ 25 عبد القادر العرعاري،مصادر الالتزامات ،الكتاب الثاني ،المسؤولية المدنية(المبادئ العامة للمسؤولية المدنية،نظام المسؤولية العقدية ،نظام المسؤولية التقصرية،المسؤولية عن حوادث السير)،مكتبة دار الامان،الطبعة الثالثة2011 ص36
ـــ 26 محمد البوشوري،المسؤولية المدنية (العقدية و التقصيرية)،مطبعة اشراف تاسيلا اكادير،الطبعة الثانية2008،ص71
ــــ 27 محمد حسن منصور المسؤولية الطبية – دار الجامعة الجديدة للنشر- الإسكندرية- ص 103
ـــ 28 قرار محكمة الاستئناف باريس 25/4/1945 أورده طلال عجاج ،المسؤولية المدنية للطبيب ،دراسة مقارنة للمدونة الجديدية ،طرابلس ،لبنان،ص126

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5