الحزب الاشتراكي الموحد، أزمة تنظيم أم انحراف عن المشروع اليساري؟

العرائش أنفو
الحزب الاشتراكي الموحد، أزمة تنظيم أم انحراف عن المشروع اليساري؟
الأستاذ محمد سلامي
عضو المجلس الوطني وعضو مؤسس لتيار اليسار الجديد المتجدد
هولندا، 7 ماي 2026
يشهد الحزب الاشتراكي الموحد في المرحلة الراهنة وضعا داخليا معقدا، تتداخل فيه أبعاد تنظيمية وسياسية وفكرية، إلى درجة بات معها من المشروع طرح تساؤلات عميقة حول طبيعة التحولات التي يعرفها الحزب، ومدى وفائه لمرجعيته اليسارية التي تأسس عليها. فبين خطاب يرفع شعارات التقدمية والديمقراطية، وممارسة تنظيمية بطبعها التوتر والاختلال، تتسع الهوة بين المبادئ المعلنة والواقع المعيش داخل هياكل الحزب.
لقد أصبح من الواضح أن جزءا من الأزمة لا يرتبط فقط بصعوبات ظرفية، بل يعكس تحولا تدريجيا في طبيعة القيادة وأساليب اشتغالها، حيث برز ميل متزايد نحو التحكم في القرار الحزبي، وتراجع ملحوظ في إشراك الفروع والمناضلين في صياغة التوجهات العامة. وهو ما يطرح بإلحاح سؤال الديمقراطية الداخلية، باعتبارها ركيزة أساسية في أي تنظيم يساري.
التيارات داخل الحزب: بين الحق الديمقراطي ومنطق التحكم
في هذا السياق، يبرز النقاش حول التيارات كأحد أهم عناوين الصراع الداخلي، حيث يشكل مقياسا حقيقيا لمدى احترام التعددية داخل الحزب. وهنا نستحضر النص التالي:
التيارات داخل الحزب الاشتراكي الموحد: بين منطق الديمقراطية وثقافة التحكم:
يعد الحق في التكتل داخل الأحزاب السياسية أحد المرتكزات الأساسية للديمقراطية الداخلية، إذ يتيح لأعضاء الحزب تنظيم أنفسهم في تيارات تعبر عن توجهات فكرية وسياسية متميزة، وتسهم في إغناء النقاش الداخلي وتطوير الأداء الحزبي. وفي هذا الإطار، وإذا كان التحكميون المتنفذون قد وضعوا قانونا أساسيا، لم يحترم إرادة المناضلين/ات، لدى السلطات دون مناقشته ولا مصادقة من مؤسسات الحزب، فإنه وبعد ضغط الرفيقات والرفاق بتيار اليسار الجديد المتجدد قرر المجلس الوطني استدراك الاختلال وتصحيح الخطأ في النظام الداخلي للحزب الاشتراكي الموحد بعدم المساس بمقتضيات وشروط تأسيس التيارات، وكان أن تم اعداد القانون الأساسي دون الالتزام بقرار المجلس الوطني، هكذا تم الاحتفاظ بحق تأسيس التيارات ما بين مؤتمري الحزب لكن بشروط تعجيزية حقيقية هدفها منع المناضلين من ممارسة هذا الحق. غير أن تيار اليسار الجديد حقق بفضل مصداقية مناضليه ومناضلاته بإعدادهم لأرضية عميقة وقعها أربعون مناضلا ومناضلة أعضاء بالمجلس الوطني للحزب كما ينص عليه القانون، وتمت مناقشتها بالمجلس الوطني، ذلك لفتح المجال للترافع عن أفكارها داخل المؤسسات الحزبية وأمام الرأي العام، والمشاركة في بلورة القرار الحزبي عبر الحوار والإقناع.
لقد شكلت التيارات، تاريخيا، جزءا من هوية الحزب منذ تأسيسه سنة 2002، حيث ساهمت في تأطير التعددية الفكرية والسياسية، ووفرت فضاء ديمقراطيا للتعبير عن الاختلاف في الرأي، بما يعزز تماسك التنظيم ويحصنه من الانشقاقات. غير أن هذا المسار لم يكن دائما محل توافق، إذ برزت داخل الحزب مقاربتان متباينتان:
الأولى ترى في التيارات عنصر قوة وغنى ديمقراطي، يتيح التنافس الفكري ويغني النقاش الداخلي.
أما الثانية، فتنظر إليها بعين الريبة، معتبرة أنها قد تخلق انقسامات داخلية وتؤدي إلى توترات تنظيمية، وهو ما دفع ببعض الأطراف إلى السعي نحو تقييدها أو الحد من دورها بل ورفضها في العمق.
غير أن الممارسة الواقعية أبانت أن الإشكال لا يكمن في وجود التيارات في حد ذاتها، بل في طريقة تدبير الاختلاف داخل الحزب. فبدل احتضان التعددية وتأطيرها سياسيا، ساد في بعض المحطات منطق بيروقراطي تحكمي، اتجه نحو التضييق على الأصوات المخالفة، أحيانا عبر تأويل انتقائي للقوانين الداخلية، وأحيانا أخرى عبر ممارسات تنظيمية غير متكافئة.
وقد تجلى ذلك في التعامل غير المتوازن مع عدد من المناضلين، وفي إهمال مراسلات وتقارير تنظيمية صادرة عن فروع وجهات مختلفة، من بينها سوس ماسة ومراكش آسفي والرباط سلا القنيطرة وجهة الخارج، وهو ما يعكس خللا واضحا في قنوات التواصل الداخلي، ويطرح تساؤلات جدية حول أسلوب تدبير العلاقة بين القيادة والقواعد. كما برزت مظاهر أخرى أكثر إشكالية، من قبيل تهميش الكفاءات بل وإبعاد العشرات منها، وتراجع إشراك المناضلين والفروع في اتخاذ القرار، إلى جانب اعتماد ممارسات انتخابية لا تنسجم دائما مع مبدأ سرية التصويت، وهو ما أضعف مصداقية المؤسسات الحزبية ويؤثر على ثقة المناضلين فيها.
إن ما يزيد من تعقيد الوضع هو أن الأزمة داخل الحزب لم تعد مجرد أزمة تنظيمية، بل أصبحت أزمة أعمق تمس طبيعة القيادة وأساليب اشتغالها، حيث يغيب النقاش النقدي أحيانا لصالح نزعات دوغمائية، ويتم التعامل مع الاختلاف بمنطق الإقصاء بدل التدبير الديمقراطي، وهو ما أدى في محطات عدة إلى تراجع شعبية الحزب وصعوبة استقطاب قوى جديدة أو الحفاظ على ديناميته الجماهيرية.
وفي هذا السياق، يبرز تيار “اليسار الجديد المتجدد” كتعبير عن حاجة داخلية لإعادة إحياء النقاش السياسي والفكري، وتجديد أدوات العمل الحزبي بما ينسجم مع التحولات المجتمعية، إذ لا يطرح هذا التيار نفسه كبديل انشقاقي كما يروج له المغرضون من القيادة، بل كمبادرة داخلية تهدف إلى تطوير الحزب من الداخل وتعزيز انفتاحه على محيطه.
وفي مقابل ذلك، وفي إطار الدينامية الداخلية التي يشهدها الحزب، انعقد لقاء تشاوري بين مكونات وأجهزة الحزب، خصص لتدارس الإشكالات المرتبطة بمشروعية تيار اليسار الجديد المتجدد، وبحث السبل الكفيلة بتجاوز الصعوبات وتعزيز شروط العمل الحزبي المشترك، غير أن ممثلي التيار فوجئوا بممارسات لا ترقى إلى مستوى الرفاقية في التعامل بين مناضلين ينتمون إلى نفس التنظيم.
يتيح الحق في التكتل لأعضاء/ات الحزب تشكيل تيار يعبر عن توجه سياسي داخله، وفق أرضية فكرية وسياسية وتنظيمية ناقدة، بمبادرة مشتركة من طرف عدد كاف من الرفيقات والرفاق، بهدف التعريف بأنفسهم بشكل أوضح، والترافع عن أفكارهم داخل الحزب وأمام الرأي العام، والمشاركة في القرار الحزبي عبر الحوار والإقناع داخل مختلف المؤسسات.
ووفقا لطبيعة ونشأة الحزب الاشتراكي الموحد، يمكن للتيارات الاستفادة من منابر داخلية ومن الظهور الخارجي عبر الندوات والنضالات المجتمعية ووسائل الإعلام، إلى جانب التمثيل داخل الهيئات الحزبية حسب نتائج المؤتمرات، وهو ما شكل تقليدا تنظيميا منذ التأسيس.
غير أن النقاش حول التيارات ما يزال يعكس تباينا واضحا في الفهم داخل الحزب، بين من يعتبرها آلية ديمقراطية لتعزيز التماسك، ومن يرى فيها مصدرا محتملا للتوتر والانقسام. وفي هذا السياق، يسجل أن بعض الممارسات التنظيمية ساهمت في تعميق الأزمة بدل احتوائها، من خلال تضييق غير مباشر على الآراء المخالفة، أو تجاهل شكايات ومراسلات عدد من المناضلين، أو اعتماد أساليب لا تنسجم مع روح الديمقراطية الداخلية.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في وجود التيارات أو غيابها، بل في القدرة على تدبير التعددية بشكل ديمقراطي ومسؤول. فالوحدة الحزبية لا تبنى عبر الضبط البيروقراطي أو فرض الانضباط القسري، بل عبر إشراك مختلف الحساسيات، والاستماع إلى النقد، وتحويل الاختلاف إلى قوة اقتراحية تساهم في تجديد المشروع السياسي للحزب وتعزيز حضوره المجتمعي.”
بين النضال المؤسساتي والنضال الجماهيري
إلى جانب إشكالية التيارات، يطرح التحول نحو التركيز على العمل المؤسساتي على حساب النضال الجماهيري علامة استفهام كبيرة. فقد أصبح حضور الحزب في الشارع ضعيفا، وغابت ديناميته داخل الفروع، وهو ما أفقده جزءا مهما من قاعدته الاجتماعية.
إن العمل المؤسساتي، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض دور النضال الجماهيري، بل يفترض أن يكون مكملا له. لكن ما يحدث هو العكس، حيث يتم تقديمه كبديل، مما يعكس تحولا في الرؤية السياسية للحزب.
أزمة قيادة أم أزمة مشروع؟
لا يمكن اختزال الوضع في مجرد اختلالات تنظيمية، إن ما يطفو على السطح هو أزمة أعمق تمس المشروع السياسي نفسه. فحين يتم تغييب النقاش الرفاقي الحر، وتهميش الكفاءات النضالية وتطرد وتبعد، ويتعامل مع النقد باعتباره تهديدا بدل اعتباره قوة تصحيح، فإن الحزب يفقد تدريجيا روحه اليسارية.
كما أن غياب العدالة بين الرفاق، وعدم معالجة الاختلالات بشكل شفاف، يعمق الإحباط داخل القواعد، ويدفع إلى العزوف أو الانكفاء.
نحو أي أفق يسير الحزب الاشتراكي الموحد؟
إن تجاوز هذه الأزمة يقتضي قبل كل شيء الاعتراف بوجودها، وفتح نقاش داخلي حقيقي وشجاع، يعيد الاعتبار للديمقراطية الداخلية، ويؤسس لتوازن سليم بين العمل المؤسساتي والنضال الجماهيري. كما يتطلب الأمر القطع مع منطق التحكم، وتعزيز ثقافة الاختلاف، وتمكين التيارات من لعب دورها الطبيعي داخل الحزب، باعتبارها رافعة للتجديد.
فهل يستطيع الحزب الاشتراكي الموحد استعادة روحه اليسارية وتجديد مشروعه، أم أنه ماض في مسار يفقده تدريجيا هويته ودوره داخل المجتمع؟
