ads980-90 after header
الإشهار 1

الغش في الامتحانات وصناعة المواطن الفاسد

الإشهار 2

العرائش أنفو

الغش في الامتحانات وصناعة المواطن الفاسد

صراحة لم أكن لأدلو بدلوي في هذا الموضوع لولا الاستفزازات المتكررة من قبل بعض المنابر الإعلامية التي تسعى جاهدة وراء الربح برفع نسبة متابعتها وذلك باعتماد آليات مخادعة وغاشة عبر التركيز على التلاميذ الفاشلين أو الساخرين من الوضع بطريقتهم الخاصة، ومنحهم فرصة الظهور عبر هذه الوسائل ونفث السموم تجاه المنظومة التعليمية كلها وخاصة الأساتذة المراقبين لعملية إجراء الامتحانات الذين يؤدون واجباتهم فقط، وتبخيص كل مجهود تم بذله طيلة السنة، وتحويل لحظة الامتحان إلى ما يشبه العزاء.

صحيح أن الغش صار سلوكا متأصلا في مجتمعنا وهو ما جعلنا نتبوأ المراتب عالميا في هذا المجال حسب بعض الدراسات، رغم أن مرجعتنا الأخلاقية والدينية تقول عكس ذلك والحديث النبوي ” من غشنا ليس منا” خير دليل على ما أقول.
إذن كيف تسرب الغش إلى كافة مفاصيل حياتنا؟ وكيف عشعش بالضبط في منظومتنا التعليمية لدرجة صار حقا مكتسبا؟ وما هي انكعاسات ذلك على المجتمع وتطوره؟ وهل من سبيل للقضاء على هذا السلوك؟
هي أسئلة لا أدعي أني سأجيب عنها بقدر ما أطرحها من باب الاستفزاز الفكري والدعوة إلى التفكير الجماعي في مصير هذا المجتمع الذي نتقاسم العيش فيه. لكن لا بأس أن أقدم بعض الملاحظات السريعة في هذا الامر.
– المجتمع منتج للغشاشين: التلميذ الغاش لم يأتي من خارج المجتمع، بحيث يعتبر نتاج ما زرعناه، وذلك عبر التربية التي يتلقاها في البيت أولا ثم بعد ذلك في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمدرسة، فعندما يصبح الأب غاشا فاسدا فلا يمكن أن ننتظر من الإبن أن يكون غير ذلك إلا في استثناءات نادرة جدا. إذن الغش يتم إنتاجه داخل البيوت أولا وقبل كل شيء عبر ترسيخ عديد السلوكات المحايثة له من قبيل الكذب والسرقة والخداع والخيانة والانتهازية والتي تشكل الأرضية الخصبة لتغلغل قيم الغش.
– المجتمع السياسي الفاسد: في مجتمع سياسي فاسد لا يمكن إلا أن ينتج فردا غاشا، عندما يعاين الناس الغش في الحقل السياسي ينعكس ذلك سلبا على تمثلات الأفراد ومنهم التلاميذ وحتى الآباء قبلهم، فيتحول السلوك المنتقد سابقا إلى سلوك يقتدى به ما دام يوصل صاحبه إلى الوجهة التي يبحث عنها وبأسهل وسيلة ودون عناء، وهنا يتحول الآباء إلى مساعدين لابنائهم على العش، لانه العملة الرائجة في نظرهم.
– عدم الاعتراف بالمجدين: ان تبخيس دور المجدين يخلق جيلا من الغشاشين، وهي مسؤولية الدولة بالأساس وخاصة المسؤولين على مجموعة من القطاعات، فعندما ترى أن المستحقين والأكفاء المجتهدين والمبدعين يتم إقصاؤهم ومحاربتهم وتهميشهم بل والتخلص منهم أحيانا في عديد القطاعات، بينما يتم بالمقابل ترقية الفاسدين والفاشلين المستعدين لتنفيذ ما يأتمرون به وتقديم الولاء المطلق للرؤساء والمساهمة في الاختلاسات على حساب تقديم الخدمات الجيدة للمجتمع والاضطلاع بالدور المنوط بالوظيفة التي يشغلونها، ويتحول الولاء للرئيس عوض للمنصب والعمل آنذاك يصبح هؤلاء قدوة للآخرين وهي واحدة من بين الأسباب التي تؤدي إلى ترسيخ قيم الغش لدى المواطنين وخصوصا لدى المتعلمين.
– فقدان الشهادة الاكاديمية لقيمتها: عندما فقدت الشهادة الممنوحة من قبل المؤسسات التربوية قيمتها لم يعد يتعامل معها أغلب التلاميذ بالجدية اللازمة، فهو يعرف مسبقا أن الحصول على شهادة الباكالوريا لم يعد بتلك الأهمية ولم يعد يفتح له أبوابا سحرية، وبالمقابل تحول لدى العديد منهم إلى مناسبة لرد الجميل للآباء لا غير أو مناسبة لإدخال الفرح إلى قلوبهم فقط، لذلك فهي لا تستحق ذلك العناء الكبير من بحث ودراسة وسهر الليالي بل يكفي أن تبدع وسيلة للغش تكون سبيلا مناسبا لذلك وبأقل جهد. لذلك فإن محاربة الغش تفضي أولا وقبل كل شيء إعادة الاعتبار للشهادة، بحيث المعدلات المحصل عليها في السنوات الأخيرة لم تعد ذات معنى، والدليل على ذلك أنها لا تعكس المستوى التكويني الأكاديمي للمتعلم في شيء.
– محاربة الغش حقيقية ودائمة: لا يجب محاربة الغش في المدارس والجامعات بشكل مناسباتي أي أيام الامتحانات الموحدة فقط، بل هي سلوك يجب أن يتواصل طيلة السنة وبشكل جدي وليس فقط شكلي صوري، فكيف يعقل أننا نرفع شعار محاربة الغش وفي المقابل نطالب المؤسسات بضرورة الرفع من نسبة النجاح دون توفير أسبابه الحقيقية طيلة الموسم الدراسي؟ أليس هذا توجيه ضمني باعتماد كل السبل خاصة الغير المشروعة لتحقيق ذلك؟ كما أنه علينا الانتقال من مدرسة الإنجاح إلى مدرسة النجاح بشكل جدي وحقيقي بتوفير كل مستلزمات ذلك وهذا يقتضي الاستجابة لمطالب وتوجيهات الممارسين الفعليين للعملية التعليمية التعلمية (المدرسون) فقط دون سواهم، لأنهم أدرى بما تعانيه المنظومة أكثر من غيرهم.
– المنع التام للدعم المؤدى عنه خارج المؤسسات التعليمية، لأنه يعتبر مناسبة لترسيخ الفساد والغش التربوي عبر رشوة المدرسين مقابل سخاء حاتمي على مستوى وضع نقط المراقبة المستمرة، وأيضا إخضاع القطاع الخاص للرقابة الصارمة في أفق التخلص منه وتوحيد المدرسة في اطار مدرسة عمومية جيدة للجميع.
– الغش يساهم في صناعة المواطن الفاسد: في البداية يكون الغش في الامتحانات مجرد وسيلة لتحقيق الانتقال من مستوى إلى آخر أو للحصول على شهادة مدرسية، لكن بعد النجاح في اعتماد هذه الوسيلة بما تتطلبه من جهد أقل وانتشاء في خداع الآخرين تتحول إلى غاية يعتمدها الفرد بعدما انتقل من كونه تلميذ في المدرسة إلى مواطن في المجتمع يؤدي وظيفة ما. فبعدما أفلح الغش في تحقيق هدف تعليمي يتحول إلى وسيلة حياتية معتمدة في الحياة الاجتماعية والوظيفية، كيف لا وقد سبق وجرب التلميذ الغش وكان مواتيا بأن مكنه من مبتغاه فلماذا لا يعتمده أسلوبا حياتيا سواء في علاقاته الاجتماعية أو المهنية. لذلك فالتلميذ الغاش اليوم هو مواطن فاسد وغاش وكاذب وسارق ومنافق وانتهازي ومخادع …. إلخ غدا. وآنذاك يفسد المجتمع وتفسد العلاقات الاجتماعية بانقلاب القيم وتغير قواعد اللعب والعيش المشترك من قواعد من المفروض أن تقوم على الاستحقاق والصدق والاخلاص والتعاون والتضامن والتضحية إلى قيم تقوم على أساس الإنتهازية والسلب والنهب والكذب والنفاق والأنانية المقيتة، عندها يكون قد انهار المجتمع وانهيار المجتمع يعني الخسارة للجميع..
شفيق العبودي
العرائش في 14 يونيو 2025

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5