من المواطن المقهور إلى المواطن المهزوم

من المواطن المقهور إلى المواطن المهزوم
العرائش أنفو
إن انكسار المجتمعات لا يُقاس فقط بمؤشرات الفقر أو الاستبداد الظاهر، بل يُقاس – على نحو أعمق – بما يحدث داخل الوعي الجمعي. فحين ينتقل الإنسان من كونه مواطنًا مقهورًا إلى مواطنٍ مهزوم، نكون أمام تحوّل أنطولوجي وأخلاقي خطير: انتقال من الألم بوصفه وعيًا بالظلم، إلى الاستسلام التام بوصفه قطيعة مع إمكان التغيير. كما أن القهر ليس مجرد وضعية اقتصادية، اجتماعية أو سياسية، بل هو علاقة قوة غير متكافئة، حيث تُفرض السلطة لا فقط على الجسد، بل على المعنى. في هذا السياق، يرى كارل ماركس أن الاستغلال لا يَكتَمِل إلا حين يُعاد إنتاجه في وعي المستغَلّ، فيقبل وضعه بوصفه قدرًا لا مفر منه.
المواطن المقهور، رغم ضعفه ما يزال يحتفظ بشرارة الوعي: يدرك الظلم، يسميه، يشكو منه، ويغضب. القهر هنا حالة توتر، والصراع ما يزال ممكنًا. بينما الهزيمة ليست استمرارًا للقهر، بل انْقِلاَبُه. فالهزيمة هي اللحظة التي يتوقف فيها القهر عن كونه حدثًا خارجيًا، ليصير بنية داخلية. يلتقي هذا التحليل مع مفهوم الهيمنة عند الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، حيث لا تحتاج السلطة إلى القمع الدائم ما دام الخاضعون قد تبنّوا منطقها وخطابها وقيمها حتى. في هذه اللحظة بالضبط، يتراجع الغضب لصالح اللامبالاة، ويتحول النقد إلى سخرية، كما أن الأمل يصبح “سذاجة”، ويُختزل الوطن إلى وظيفة أو مباراة في كرة القدم أو خبر عابر. المواطن المهزوم إذن لا يحتج، ليس لأنه راضٍ عن أوضاعه أو خائف من القمع المادي والسجن، بل لأنه لم يعد يؤمن بأن الاحتجاج ممكن أو ذي معنى، كما ان اهتماماته صارت مختلفة وحتى غضبه تم توجيهه بعناية فائقة، حيث يمكن ان ينفجر غضبا اذا خسر فريقه المفضل في كرة القدم وقد يَفْرِد جزءا كبيرا من وقته في الحديث عن الأسباب التي تقف وراء ذلك، مطالبا في نفس الوقت بمحاسبة المسؤولين عن الفشل واقالتهم، لكن بالمقابل يدير ظهره كليا أمام فشل المسؤولين عن النهوض بأوضاع البلاد في شتى المجالات، لدرجة أن الظلم الاجتماعي لا يحرك فيه شيئا مقارنة بظلم الحكم في مباراة كرة القدم.
وهذا ما يوافق مع ما أوضحته الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت بتآكل الفعل السياسي المفضي إلى ما تسميه تفاهة الشر، حيث يصبح الامتثال للظلم سلوكًا عاديًا. صحيح أن المواطن المهزوم لا يصنع الشر، لكنه يمرّ بجانبه دون مقاومة ويتعايش معه كقدر لا فكاك منه، وهذا أخطر أشكاله. لذلك فإن هزيمة المواطن هنا ليست سياسية فقط، بل أخلاقية، على مستوى ضمور الحس بالمسؤولية، وتبرير الظلم بحجج الواقعية، ناهيك عن الخوف من الحرية أكثر من الخوف من القمع، لأن السلطة الحديثة كما أوضح ميشيل فوكو لا تعمل فقط عبر القوانين والسجون، بل عبر تطبيع السلوك وتدجين الرغبات. المواطن المهزوم هو نَتَاج سلطة نجحت في جعل الهزيمة نمط حياة، من خلال تحويله إلى مواطن يستهلك بدل أن يشارك، يشاهد ويَنْفَعِل بدل أن يفعل، وفي أحسن الأحوال يعلّق بدل أن يغيّر.
ها هنا يكمن الفرق الجوهري بين الإنسان المقهور والإنسان المهزوم، حيث أن الأول يتألم، بينما الثاني ينسى، لهذا فإن استعادة الفعل تبدأ من استعادة الذاكرة: ذاكرة الظلم، وذاكرة الكرامة.
كما أن التحرر لا يبدأ بالثورة، بل بإعادة الاعتبار للغضب بوصفه قيمة أخلاقية، وللسؤال بوصفه فعل مقاومة.
أخيرا يمكن القول بأن الانتقال من المواطن المقهور إلى المواطن المهزوم ليس قدرًا تاريخيًا، بل نتيجة مسار طويل من الإحباط والتطبيع مع العجز. أخطر ما في الهزيمة أنها صامتة، ناعمة، ومقنعة. لكن ما دام القهر قد صُنِع تاريخيًا، فإن الهزيمة يمكن تفكيكها تاريخيًا أيضًا، فحيث يوجد وعي، ولو هشًّا، ما يزال باب الفعل مفتوحًا، وما تزال الهزيمة غير نهائية..
شفيق العبودي
العرائش يناير 2026
