” بوصلة امازيغية”

العرائش أنفو
” بوصلة امازيغية”
سلسلة مقالات – الحلقة الأولى
الاستاذ عبد الكريم أوبجا – عضو تيار اليسار الجديد المتجدد
1- الأمازيغية من منظور يساري جديد ومتجدد:
في المحور السادس بعنوان “الهوية والمسألة الثقافية”، تقدم أرضية “اليسار الجديد المتجدد” مقاربة عميقة وشاملة للقضية الأمازيغية، لا تقف عند حدود المطالب الثقافية أو اللغوية، بل تدرجها في صلب المشروع الديمقراطي والتحرري الوطني. فالهوية الأمازيغية ليست مجرد مكون هامشي أو تراث فولكلوري، بل تمثل جوهر هوية الشعب المغربي الذي تشكلت حولها ثقافته المتفاعلة والمتلاقحة مع الحضارات الأخرى عبر التاريخ. ومن هنا، فإن النضال من أجل الأمازيغية شرط أساسي لنهضة حقيقية تضع الإنسان في صلب اهتماماتها.
وتتأسس رؤية اليسار الجديد المتجدد للقضية الأمازيغية على مراجعة نقدية عميقة لمسار اليسار المغربي وتياراته التقليدية، فقد ظلت أدبيات اليسار المغربي لعقود رهينة استلاب ثقافي مزدوج؛ فإما أنها استلهمت نماذجها من الفكر الاشتراكي الغربي بقطيعة مع الخصوصيات المحلية، أو ارتمت في أحضان القومية العربية المشرقية التي كانت ترى في الأمازيغية نزعة تفتيتية. هذا الوعي المتجدد يرى أن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يكتمل دون الاعتراف بأن الأمازيغية هي الوجدان التاريخي والعمق الحضاري للإنسان المغربي، وهي “الثقافة الوطنية” التي تم تغييبها لصالح ثقافات مستوردة، مما جعل المشروع اليساري السابق يفتقد للتربة التي تمنحه القوة والامتداد الشعبي.
في مقابل هذا الإقصاء والتفريط، تطرح أهمية قراءة جذرية للتاريخ، على اعتبار أن “إعادة صياغة تاريخ المغرب ضرورة علمية، والوقوف في وجه تحريفه ضرورة نضالية وأمانة سياسية وأخلاقية”. فالتاريخ الرسمي، الذي يعتمد مراجع استعمارية ومخزنية، حاول إخفاء الدور البطولي والحقيقي للمقاومة الأمازيغية المسلحة في دحر الاستعمار الفرنسي والإسباني، من معارك الريف إلى مقاومة الأطلس وسوس والجنوب، وطمس الإسهامات الحضارية للأمازيغ في بناء أسس الحضارات المتوسطية الكبرى.
وبالتالي فإعادة كتابة التاريخ الوطني ليس مسألة أكاديمية بحتة بل واجب سياسي وأخلاقي، ليتم إنصافه من التشويه الكولونيالي ومن الإقصاء الإيديولوجي الذي مارسته النخب غداة الاستقلال. وينبغي كذلك استحضار إسهامات الرموز الفكرية الأمازيغية التي ربطت بين الهوية والتحرر الاجتماعي. فالتصالح مع الذاكرة الأمازيغية جزء لا يتجزأ من النضال من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية، حيث لا يمكن فصل قضايا الأرض واللغة عن قضايا التنمية والتوزيع العادل للثروة في المناطق التي صنفت زورا ضمن “المغرب غير النافع”.
إن اللغة الأمازيغية، لسان متكامل العناصر، لها عبقريتها وخصوصيتها، وتتميز بقدرة كبيرة على الاشتقاق والتركيب مما ساهم في صمودها أمام موجات التغريب والتعريب، ويفند الأحكام الجاهزة التي تختزلها في كونها مجرد لهجات. كما أن الدارجة المغربية نفسها هي نتاج تلاقح وتوارد بين العربية والأمازيغية. ومن هنا، فإن تدريس الأمازيغية والتدريس بها لجميع المغاربة يعتبر تعزيزا للوحدة الوطنية، وهو ما يتطلب إرادة سياسية فعلية لتحقيقه في المدى القريب.
وتنتقد الأرضية بشدة مفهوم “تمغربيت” الذي تروجه النخبة الحاكمة كبديل للهوية الوطنية المتنوعة والمتعددة. فـ”تمغربيت” ليس سوى “أداة لتبرير السلطوية وإخفاء التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية”، أي وسيلة لطمس الفروقات والتناقضات الحقيقية داخل المجتمع. وتهدف إلى العمل في العمق على فرض وحدة اصطناعية تذيب الخصوصيات في قالب مهيمن. بل إنها تحمل في طياتها خطر التحول إلى شوفينية وعنصرية، تخلق وهم “هوية نقية” وتبرر تدخل السلطة لقمع أي تعبير مخالف.
وعلى المستوى البرنامجي، يتبنى “اليسار الجديد المتجدد” المطالب الأساسية للحركة الأمازيغية، ويدعو إلى تجاوز مرحلة الاعتراف الرمزي إلى التفعيل الكامل. وتشمل هذه المطالب: جعل الأمازيغية شأنا وطنيا لجميع المغاربة، تفعيل دسترتها كلغة وطنية ورسمية، النهوض بالتنمية الاقتصادية للمناطق الأمازيغية (التي عانت لعقود من التهميش المجالي)، إعادة كتابة تاريخ المغرب، الاهتمام بالأمازيغية في وسائل الإعلام، رد الاعتبار للفن الأمازيغي، التراجع عن تعريب أسماء المناطق الأمازيغية، وتمتيع الجمعيات الثقافية الأمازيغية بصفة المنفعة العامة.
وتشدد الأرضية على أن الاعتراف الدستوري يبقى ناقصاً ما لم يترجم إلى تعليم إجباري للأمازيغية لكل الأطفال المغاربة، وإلى حضور فعلي في الإدارة والقضاء والإعلام. كما تدعو إلى دعم الفن والمسرح والموسيقى والإعلام الأمازيغي، وتمويل الصحافة الأمازيغية على غرار باقي اللغات. وفي المجال التربوي، ينبغي القيام بإصلاح شامل يبدأ من الإعداد الجيد للعدة البيداغوجية والديداكتيكية، ورفع عدد أساتذة الأمازيغية المؤهلين، وضمان استقرارهم المهني، والزيادة في الحصص الزمنية المخصصة للأمازيغية في التعليمين الابتدائي والثانوي.
غير أن الرؤية اليسارية الجديدة والمتجددة تذهب إلى عمق المسألة الأيديولوجية. فتعتبر أن الهيمنة الفرنكوفونية ليست مجرد ظاهرة لغوية محايدة، بل هي “جهاز أيديولوجي لتكريس الهيمنة وإدامتها”، وشكل حديث من السيطرة الثقافية فرضه الاستعمار الغربي. والمطلوب ليس معاداة اللغة الفرنسية في ذاتها، بل مناهضة الفرنكوفونية السياسية كمنظومة هيمنة تربط المغرب بالمركز الاستعماري القديم. وهذا يتطلب تبني سياسة لغوية عادلة توازن بين اللغات الوطنية (العربية والأمازيغية) والانفتاح الضروري على اللغات العالمية من موقع الندية لا التبعية.
ويعتبر الدفاع عن الأمازيغية معركة من أجل “العقلانية” وتحديث العقل المغربي، فلا يمكن الفصل بين الهوية الأمازيغية ونمط التدين المنفتح الذي عرفه المغرب تاريخياً، وهو “الإسلام الشعبي” الذي ظل عصياً على الانغلاق والتشدد. ومن هنا، يضع اليسار الجديد المتجدد الأمازيغية كحائط صد استراتيجي في مواجهة تيارات الإسلام السياسي التي تتبنى أيديولوجية منغلقة لا تعترف بالتنوع الثقافي والتعدد اللغوي للمغرب. فالنضال من أجل الأمازيغية هو في جوهره دفاع عن مدنية الدولة وعن مجتمع مغربي متصالح مع ذاته وأعرافه التي لا تتعارض مع قيم الحداثة والديمقراطية.
وتربط الرؤية اليسارية المتجددة الأمازيغية بقضية أوسع هي العلمانية. فتدعو إلى فصل حقيقي بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، والانتقال من “دولة الفتوى” إلى “دولة القانون”. وترى أن الدولة المغربية، بازدواجيتها بين القانون والفتوى، تعطل التطور الديمقراطي وتكرس الاستبداد. بينما العلمانية ليست عداء للدين، بل حماية له من الاستغلال السياسي وضمان لحرية المعتقد وتأسيس لدولة المواطنة المتساوية.
وفي الأخير، تقدم “أرضية اليسار الجديد المتجدد” مشروعاً طموحا لإعادة تأسيس الدولة المغربية على أسس ثقافية تحررية وطنية. إنه مشروع يضع الثقافة في قلب التنمية، ويعتبر التحرر الثقافي شرطا للتحرر السياسي والاقتصادي، ويؤمن بأن النهضة الحقيقية تبدأ بإنسان واع بذاته، متمسك بهويته، منفتح على العالم دون ذوبان فيه. وفي هذا الإطار، تشكل القضية الأمازيغية القاطرة التي ينبغي لهذا المشروع أن ينبني عليه، ليس فقط لإنصاف مكون أساسي من مكونات الأمة، بل لتحقيق عدالة ثقافية ولغوية شاملة، تكون أساساً لديمقراطية حقيقية ومغرب جديد يتسع للجميع.
وإذ يصيغ تيار اليسار الجديد المتجدد رؤيته للأمازيغية لدورها المحوري في بناء دولة الحق والقانون التي تقوم على المواطنة لا على العرق أو الدين، يرى أن الحل الجذري يكمن في إقرار نظام ديمقراطي علماني يفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، بما يضمن لكل المكونات الثقافية، وعلى رأسها الأمازيغية، الحماية والنمو والازدهار كحقوق إنسانية أصيلة. إنها رؤية تسعى للانتقال من حالة “الازدواجية والتمزق الهوياتي” إلى حالة “الوحدة في التنوع”، حيث تصبح الأمازيغية جسرا يربط المغرب بعمقه الإفريقي وامتداده المتوسطي، ورافعة لمشروع مجتمعي يساري يسعى لبناء مغرب المستقبل بذاكرة حية ومنصفة.
أرضية اليسار الجديد المتجدد (2025)، صادرة عن “تيار اليسار الجديد المتجدد” من داخل الحزب الاشتراكي الموحد.
