نداء من أجل الإنسانية… حيث يلتقي ثبات المبدأ بسعة الضمير وعمق الهوية

العرائش أنفو
مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية نداء من أجل الإنسانية… حيث يلتقي ثبات المبدأ بسعة الضمير وعمق الهوية
في خضم ما أُثير من تفاعلات وتأويلات متباينة عقب أداء بعض الزوار اليهود صلواتهم في فضاءات مفتوحة بكل من باب دكالة بمدينة مراكش وشاطئ مدينة أكادير، وما رافق ذلك من ربطٍ متسرع بالقضية الفلسطينية، ومن حملاتٍ على شبكات التواصل الاجتماعي اتسمت أحيانًا بخطاب الكراهية والتخوين، تتوجه مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية إلى الرأي العام بنداءٍ جامع، يُخاطب القلوب والعقول والضمير الإنساني.
إن الصلاة، في جوهرها، نداءُ روحٍ إلى خالقها، لا يُؤجَّل ولا يُختزل في حسابات السياسة. وما صدر عن هؤلاء الزوار لم يكن سوى تعبيرٍ بسيط عن التزام ديني في وقته، ضمن إطار من السلم والاحترام. وعليه، فإن تأويل هذا الفعل خارج سياقه الإنساني، وتحميله دلالاتٍ سياسية، هو انزلاق يُربك الفهم ويُشوّش على القيم.
وفي هذا المقام، نُؤكد بوضوح ومسؤولية: لن نقبل المزايدة على المغرب باسم القضية الفلسطينية. فالمملكة المغربية، ملكًا وحكومةً وشعبًا، كانت ولا تزال ثابتة في دعمها للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي تبنيها لحل الدولتين كأفقٍ عادلٍ ودائم. ولم يكن هذا الموقف يومًا شعارًا عابرًا، بل التزامًا عمليًا متواصلًا، تُجسّده مبادرات ومساهمات ملموسة لفائدة الفلسطينيين، نابعة من وجدان الأمة ومن مساهمة المواطنين المغاربة.
كما نُذكّر أن علاقة المغرب بدولة إسرائيل جاءت في إطار تفاهمات واتفاق ثلاثي مغربي–أمريكي–إسرائيلي، قائم على رؤية استراتيجية متوازنة، راعت المصالح الوطنية العليا، دون التفريط في الثوابت التاريخية. وتجسيدًا للحكمة والمسؤولية، بادر جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، إلى التواصل مع فخامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإطلاعه على فحوى هذا الاتفاق وأهدافه، في تأكيدٍ صريح على أن كل خطوة تُتخذ إنما تتم في إطار الشفافية والوفاء للقضية الفلسطينية.
إن هذا التوازن بين الانفتاح الدبلوماسي والثبات المبدئي هو ما يميز المقاربة المغربية، ويجعلها نموذجًا في الجمع بين الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية حرية العبادة على أرض المغرب ليست تناقضًا مع نصرة فلسطين، بل هي امتدادٌ لقيم العدل والكرامة التي تقوم عليها هذه النصرة. فكيف نُدافع عن حق شعبٍ في الحرية، ثم نضيق بحرية فردٍ في أداء صلاته؟ إن القيم لا تتجزأ، والإنصاف لا يُقاس بالهوية، بل بالمبدأ.
وإننا نُذكّر، في هذا السياق، بأن المكون العبري يُعد أحد الروافد الأصيلة للهوية الوطنية المغربية، كما نصّ على ذلك الدستور المغربي، وأن الوجود اليهودي في هذه الأرض الطيبة ضارب في عمق التاريخ، حيث عاش اليهود في المغرب منذ قرون طويلة قبل دخول الإسلام، في تعايشٍ وتفاعلٍ حضاري أسهم في بناء الشخصية المغربية المتعددة الروافد.
لقد كان المغرب، عبر تاريخه، أرضًا للتلاقي والتعايش، حيث احتضن المسلمين واليهود والمسيحيين في نسيج إنساني متماسك، قائم على الاحترام المتبادل والتكامل الحضاري. وهذا الإرث ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو التزامٌ متجدد يُترجم في الحاضر ويجب صونه للمستقبل.
وإننا في مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية، إذ نُعبر عن أسفنا لانتشار بعض خطابات التحريض والكراهية، نُؤكد أن هذه الأصوات لا تمثل روح المغرب ولا تعكس سماحة الإسلام، بل تُسيء إلى صورة الوطن وتُضعف قضاياه العادلة.
إننا ندعو إلى وعيٍ جماعي يرفض الاختزال، ويُميز بين ما هو ديني وإنساني وما هو سياسي، ويُدرك أن قوة المغرب تكمن في قدرته على الجمع بين الوفاء لمبادئه والانفتاح على العالم، دون تناقضٍ أو تفريط.
وفي الختام، نُجدد التأكيد أن الأخوة الإنسانية ليست شعارًا يُرفع، بل التزامٌ يُجسَّد في المواقف والسلوك، وأن الدفاع عن كرامة الإنسان—في كل مكان—هو الطريق الأصدق لنصرة القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
عن مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية
